سليكي: ناشر المستقبل ليس وسيط طباعة بل فاعل ثقافي رقمي

دبريس
لا ينظر طارق سليكي، رئيس اتحاد الناشرين المغاربة، الى الثورة الوسائطية كعائق أمام صناعة نشر الكتاب بل فرصة ينبغي استثمارها عن طريق التحلي بالمرونة وقابلية التجدد متطلعا إلى بروفايل متكيف للناشر بوصفه فاعلا ثقافيا رقميا لا مجرد وسيط في طباعة الإصدارات.
ويعتبر سليكي في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الانتقال من “نشر تقليدي” إلى “صناعة نشر”، يملي تحولات ضرورية كالانتقال من منطق الحرفة إلى منطق المؤسسة، بناء دور نشر بهيكلة واضحة، وظائف محددة، واستراتيجيات طويلة المدى واعتماد نماذج عقود شفافة تحمي طرفي عملية النشر.
وشدد خلال مقابلة على هامش المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، على أهمية الاستثمار في الاحترافية بالتكوين في مجالات التحرير، التسويق الثقافي، إدارة الحقوق وبناء علاقة شراكة مع الكاتب الذي لم يعد مجرد “مزود محتوى”، بل شريك في الرؤية والترويج وبناء الجمهور.
يواجه الناشرون انتقادات كثيرة بخصوص هيكلة الدور واحترافيتها وشفافية العلاقات مع الكتاب. ويتعامل رئيس الاتحاد معها كدعوة إلى النضج المهني، وفرصة لإعادة بناء الثقة داخل الحقل الثقافي مقتنعا بأن المستقبل لن يكون إلا لمن ينشر بشكل أفضل، وبعلاقات أكثر شفافية وعدالة.
فطارق سليكي يقر بأن الكثير من دور النشر، خصوصا في العالم العربي، نشأت في سياقات فردية أو عائلية، ولم تواكب دائما التحول نحو نموذج مؤسساتي واضح. وهذا ينعكس في ثلاث مستويات أساسية: أولا: غياب هيكلة واضحة داخل بعض الدور (تحرير، تسويق، توزيع، حقوق)، مما يجعل العمل أقرب إلى اجتهادات فردية منه إلى صناعة متكاملة. وثانيا، إشكالية الاحترافية التي لا تعني فقط جودة الطباعة، بل جودة التحرير والمراجعة ووضوح الرؤية التحريرية، القدرة على التسويق والترويج واحترام آجال النشر والتوزيع وهنا تظهر الفجوة بين “ناشر يطبع” و”ناشر يصنع كتابًا”.
لكن طارق يعتبر العنصر الثالث (شفافية العلاقة مع الكاتب) النقطة الأكثر حساسية، وتشمل وضوح العقود (الحقوق، النِّسب، مدة الاستغلال)، احترام حقوق الملكية الفكرية، غياب الغموض في التكاليف. ذلك أن العلاقة لا تزال مبنية على الثقة الشخصية بدل إطار قانوني ومهني واضح.
في المقابل، يدعو سليكي إلى وضع الأمور في سياقاتها العامة، بحيث أن “الناشر العربي يعمل في بيئة صعبة”: ضعف سوق القراءة، مشاكل التوزيع، ارتفاع تكاليف الإنتاج… بمعنى أن بعض الاختلالات ليست فقط نتيجة تقصير مهني، بل أيضا “نتيجة منظومة هشة”.
أمام رهان التكيف مع الزمن الرقمي، تبدو الخيارات محدودة: “فإما أن نركب الموجة أو نصير خارج التاريخ. التكيف هو حتمية”، يقول طارق مضيفا أنه “في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد السؤال: هل يجب أن نتعامل معه؟ بل كيف؟ السؤال اليوم لم يعد: هل سنتجه إلى الكتاب الرقمي؟ بل: كيف ولماذا وبأي نموذج اقتصادي وثقافي؟”.
على هذا الصعيد، يسجل طارق سليكي أن الناشر المغربي انخرط في هذا المسار ولو أنه ليس بالنجاح المنشود، فهو “تكيف جزئي أكثر منه تحوّلا كاملا. عدد من الناشرين دخلوا المجال الرقمي، لكن في الغالب عبر تحويل الكتب الورقية إلى صيغ PDF أو EPUB أو الحضور عبر منصات بيع رقمية دون إعادة التفكير في تجربة القراءة نفسها. هذا يعني أن التكيف كان تقنيا أكثر منه استراتيجيا”.
ويستدرك الناشر متحدثا عن “نجاح في مجالات محدودة” لافتا إلى أن “العائق ليس تقنيا بل ثقافي واقتصادي رغم توفر التكنولوجيا. هناك ضعف في ثقافة الدفع مقابل المحتوى الرقمي، غياب نماذج واضحة لتقاسم العائدات بين الناشر والمؤلف، تردد في إعادة تعريف قيمة الكتاب خارج شكله المادي”.
وينبه طارق سليكي في هذا السياق إلى سوء تقدير تجاه طبيعة التحول، فقبل سنوات، كان الاعتقاد أن الرقمي سيعوض الورقي أو يحل محله؛ لكن ما حدث فعليا هو هذا النموذج الهجين، الذي يجمع ويجعل من الرقمي والورقي يتعايشان ويتداخلان، ولا يلغي أو يستبدل أحدهما الآخر.
الكتاب الورقي لم ولن يموت، بل هو جزء من تجربة أوسع، يقول سليكي، والرقمي لم يصبح المهيمن الوحيد لكنه فرض نفسه كطبقة إضافية لا يمكن تجاهلها. المشكلة الحقيقية هي أن «عقلية الصناعة» لم تتغير بما يكفي. التحول الرقمي الحقيقي لا يعني فقط نشر كتاب بصيغة رقمية، بل إعادة تعريف دور الناشر (من منتج إلى منسق منظومة محتوى)، إعادة التفكير في العلاقة بين الكاتب والقارئ، وبناء نماذج تفاعلية (قراءة، استماع، مشاركة، تحديث مستمر).
ولأن النشر يرتبط جذريا بفعل القراءة كسلوك حيوي، فإن رئيس اتحاد الناشرين المغاربة يذكر بأن الأمر يتعلق برافعة استراتيجية تمس التعليم، والاقتصاد، والهوية، والسيادة المعرفية. الكتاب ليس مجرد وسيلة للقراءة، بل هو أداة لتشكيل الوعي النقدي، والخيال، والقدرة على التفكير. وبالتالي، فالاستثمار في القراءة هو استثمار في جودة التعليم، تكوين المواطن الواعي، وتعزيز القيم المشتركة.
على هذا الأساس، فإن محاور عمل عديدة ترتسم في الأفق، وتشمل في نظره إدماج القراءة في السياسات التعليمية ودعم الناشرين وفق معايير جودة واضحة، وبناء شبكة مكتبات حديثة، وتشجيع الترجمة في الاتجاهين (من العربية وإليها) وربط الكتاب بالتكنولوجيا (منصات، كتب رقمية، ذكاء اصطناعي).
أما عن رهانات الناشرين وهم يعيشون تجربة التفاعل الحي مع السوق في معرض الرباط، فيرى طارق سليكي أن المعرض يؤدي أدوارا واضحة كفضاء لتسويق الكتاب وحقوق النشر ومنصة للقاء بين الناشرين، الكُتّاب، والموزعين بل وآلية لدعم صناعة النشر وترويج الإنتاج الوطني، فضلا عن دوره كأداة دبلوماسية ثقافية بامتياز.
يشكل المعرض أيضا لحظة رمزية للاحتفاء بالكتاب كقيمة ثقافية وتعزيز انفتاح الجمهور الواسع على المعرفة خارج الأطر الأكاديمية وخلق طقس جماعي حول القراءة. هنا يتحول المعرض إلى عيد ثقافي، حيث تستعيد القراءة بُعدها الإنساني والجماعي. لكن استدامة الأثر وتجاوز البعد الموسمي، يقتضي، حسب الناشر، إطلاق منصة رقمية موازية تستمر طوال السنة مع بناء قاعدة بيانات للناشرين، الكُتّاب، والمترجمين لخلق شبكة تواصل مهني مستمرة. وبهذا يصبح المعرض بنية تحتية للصناعة بحيث لا يكون نهاية دورة الكتاب، بل بدايتها.



