شعراء يكتبون سيرتهم:في السرد متسع للبوح بما جرى

دبريس
التأمت نخبة من الشعراء المغاربة، أمس الأربعاء، في جلسة كشفوا فيها بواعث رحلتهم المؤقتة إلى السرد من أجل كتابة سير ذاتية تبوح ببعض ما جرى من أحداث ومنعطفات صنعت في النهاية ذلك الإنسان والمبدع الذي يقيم في كل منهم.
في إطار فعاليات الدورة ال 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، تقاسم عبد السلام الموساوي، وصلاح الوديع، ومحمد بودويك مع جمهور من القراء والمتابعين تجاربهم الأدبية، وأسئلتهم الحميمة التي قادتهم الى كتابة السيرة الذاتية، بوصفها جنسا تواصليا بامتياز يفتح مسالك أسهل وأكثر مباشرة للاطلاع على حيوات عادية شكلتها الأحلام والآلام.
وجاء اللقاء الذي أداره الناقد حسن المودن، المعروف باشتغاله على عوالم الكتابة السيرية، تفاعلا مع ظاهرة لافتة للجوء الشعراء في المغرب وخارجه لكتابة السيرة، حيث تم التركيز على نصوص “الأشجار المحظورة” لعبد السلام الموساوي و”ميموزا” لصلاح الوديع و”ليس عبورا بل حياة” لمحمد بودويك.
يحمل السرد، بالنسبة لعبد السلام الموساوي، ميزة الإتاحة الأوسع نطاقا بالنسبة للقراء الذين لا يقبلون بنفس الكثافة على شعر ملبد بالصور الموغلة والاستعارات المركبة. ويقول الموساوي إن الشاعر لا يكتب حياته ليرويها بل ليفهمها، “ليقترب من الألم الذي صار معنى”.
سماها الموساوي “الأشجار المحظورة” لأن أي حياة تختزن مساحات ليس من السهولة اقتحامها على مستوى الإحساس والذاكرة، فبالأحرى تقاسمها مع الآخرين. لا يحبذ التوقف كثيرا عند شرعية الشاعر في كتابته للسيرة الذاتية، لأنها تجربة أدبية عادية، في ظل حوار الأجناس، حيث القصيدة طافحة بالسرد والعكس صحيح.
“من أنت لتكتب سيرة؟”، يرد صاحب ديوان “لحن عسكري لأغنية عاطفية” على السؤال المفترض، مؤكدا أن السيرة ليست هي الأحداث في حد ذاتها، بل تمتح هويتها من اللغة التي تصنع قيمتها الأدبية، لا الوقائع المحكية. ويذكر أن طه حسين كتب سيرته الذائعة “الأيام” في العشرينات من عمره، قبل أن يحقق شهرته.
على ذات المنوال، يعتبر صلاح الوديع أن كل حياة تستحق أن تحكى، بما في ذلك الحيوات الأكثر بساطة. من تجربة “العريس” التي قدمت سيرة سجنية إلى “ميموزا” التي وثقت شهادة على انخراط ناضج في بناء مشروع مجتمعي وفق قيم ومرجعيات معينة، يكشف الوديع أن هذا العنوان الأخير يحيل إلى اسم الممر الذي كانت ترافقه فيه والدته الى المدرسة، ولذلك هو يشير إلى ذاكرة طفولة طبعتها علاقات مغايرة مع الأم الدائمة الحضور ومع الوالد المستغرق في عوالم النشاط العمومي والنضالي.
السيرة الذاتية، حسب محمد بودويك، وسيط أكثر فعالية للتواصل مع القارئ حين يكون الموضوع تأملا في شريط الذاكرة. مذكرات، اعترافات، يوميات، تتنوع أشكال الكتابة السيرية لكنها تملي في جميع الأحيان احتفالا نوعيا باللغة التي تضفي على القص والتاريخ الشخصي جوهرا أدبيا. في السيرة، تتماثل الأنا بشكل ناصع، لتسافر إلى أرواح أخرى تجد متعة في التماهي والتفاعل مع حيوات تتقاسم معها مشتركات الأحلام والآلام.
يذكر بودويك، خلال اللقاء الذي يندرج ضمن نوافذ يفتحها برنامج المعرض على الأدب المغربي، من يتساءل حول قيمة السيرة الذاتية كفن أدبي، برأي الكاتب شاطوبريان الذي أنكر هذه القيمة واعتبرها مجرد لغو حتى ولو تعلق الأمر ب “اعترافات” جان جاك روسو، قبل أن تعيد فيرجينيا وولف الاعتبار لهذا النوع، بل بوأتها مرتبة أسمى من الرواية.



