أخر الأخبارفن و ثقافة

علي علي سلطان: يرسم لتعيش الحكاية

دبريس

تتسارع أنفاسه بينما يضغط بالمدلكة على الصفيحة الحجرية الكلسية، مراقبا كيف يتوزع الحبر الزيتي على السطح. ينظر إلى الزجاجة بعين كيميائي خبير ليتفقد مزيج الصمغ والأسيد، يطهر به الصفيحة من شوائب اللون الزائغ عن النطاق. قبل أن ينسخ التحفة الحجرية في حاملها الورقي، يثبت نظارتيه ويجحظ عينيه مقتربا ومبتعدا بتركيز وصمت، منفصلا عما وعمن حوله في فضاء قصر الثقافة، حيث تتجاور مشاغل الفنانين المدعوين إلى موسم أصيلة الثقافي، متاخمة للأطلسي.

يضع علي علي سلطان عمله جانبا ليقفز إلى زملائه المشاركين في مشغل الطباعة الحجرية، لا يبخل عليهم بخبرته المكينة في تشكيل حجري انبعث من جذوره البعيدة في فجر الطباعة لينحصر اليوم في ممارسة تشكيلية، بعد أن فقد وظيفته الصناعية في زمن النسخ الرقمي. يفعل ذلك بحماس وحب غامر لأنه مقتنع بأن جوهر الفن، كمهنة وشغف، لا يتحقق إلا بالتقاسم.

في أصيلة، يعيش هذا الفنان السوري الأصل الاسباني الجنسية، قصة غرام مع المكان والناس بدأت عام 2021، وتكرست مع احتفاء موسمها الثقافي بتجربته في معرض جمعه مع الفنان المغربي سعيد المساري في دورة 2023.

ظل ينتظر دعوة محمد بن عيسى، أمين عام منتدى أصيلة الراحل، الذي لم يتردد في الانفتاح على عالم الطباعة الحجرية التي ظلت تقنية حبيسة المعاهد الأكاديمية لإتاحة فرصة ممارستها على نطاق أوسع بين الفنانين الشباب والمتمرسين على السواء. بفضل موسم أصيلة، دخلت هذه الآلة الحديدية باهظة الثمن، التي تستخدم في تحبير القطع الصخرية.

كان قد أطل على المدينة بعمل استثنائي عبارة عن كتاب فني ضخم، يروي بلوحات من الطباعة الحجرية، فصولا من السرد الشعبي السوري، وخصوصا قصة “سليمان وسعلوة” التي توارثتها الجدات في منطقة ما بين النهرين.

بين الصباغة والحفر وغيرهما، يرى علي علي سلطان في حديثه لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن الطباعة الحجرية فعل أكثر تقنية لأنه على تماس مع المادة الكيميائية. مع ذلك، تظل التقنية عنصرا لا يشغل إلا نسبة قليلة من مسلسل الإبداع التشكيلي. ذلك أن الجمهور ينظر إلى المنتوج التشكيلي النهائي، بعمقه الإبداعي المتخيل والمبتكر، الذي يخاطب العقل واللاوعي أيضا.

الطباعة الحجرية ليست فتنة عنده بل إيمانا عميقا بدمقرطة الفن. فإمكانية نسخ لوحات ورقية أصلية عديدة من الحامل الحجري، على خلاف الصباغة، تعزز تداول الأعمال الفنية حين تسوق بأسعار معقولة لتكون في متناول شريحة أوسع.

وجوه كائنات خرافية، حروف مرتجفة ببراءة طفل، أشكال من وحي خيال طفولي مجنح… يتلاعب علي بالأبعاد ويعيد تشكيل الأجسام بطاقة حلم وحرية تخييل نفاثة.

الذاكرة بيت متنقل يصاحبه في مقامه الاسباني بلاكورونيا، التي وجد في شوارعها ومعمارها وساحلها فضاء منعشا لغريب يحمل الوطن في حقيبة. فالاقتلاع ليس رديفا للنسيان، والمكان الطارئ لا يطمس الجغرافيا المتجذرة في الجوارح. هو يضع موهبته الفنية في خدمة إرث ثقافي شفاهي عريق. لم يبدد الاغتراب هذا الهاجس بل ضاعفه. لقد حرص على تحويل الرصيد الشفاهي الذي ملأ سمعه قبل الخلود إلى النوم، في ليالي بلدته إلى لغة بصرية، موجهة الى الأطفال بالتخصيص، أو عموم الجمهور.

يمتح الفنان عالمه من ذاكرة تراثية عائلية بخصوبة دجلة والفرات، الذين يعبران منطقة الحسكة في الشام، حيث رأى النور. الأساطير والحكايات الشعبية التي تناقلتها حضارات المنطقة باتت تحاور دراما إنسانية ورجة حضارية هائلة تخلخل فرشاة وألوان وحركة الفنان، الذي أدركته شظايا الحرب، فقدا في الأهل ونكبة في الأمكنة الحميمة.

يقول إنه لطالما سعى الى حماية متخيله الفني من ثقل اللحظة السياسية وتحولاتها، لكن حجم المأساة كان أكبر، فتوطنت الوجوه الشاردة المفجوعة في إطارات هاجمتها الكوابيس. ذهول سوداوي وصمت مكلوم. في إحدى لوحاته الشهيرة، تتقدم الأم الراحلة مستكينة محدقة في الفراغ، وخلفها مشهد دمار عظيم.

يلاحظ الكاتب الاسباني، مانويل ريفاس، أن المأساة الوطنية والألم الشخصي غيرا من أسلوب علي الإبداعي، الذي كان يركز سابقاً على قصص الطفولة والأساطير القديمة من التراث الشفهي العربي. الأشكال أصبحت حزينة والجمالية أكثر سوداوية.

ويدرج الناقد الفني المغربي شرف الدين ماجدولين مسار علي علي سلطان ضمن الجيل الرابع من الفنانين السوريين، ممن ورثوا تقاليد النهضة الفنية بدمشق في منتصف القرن الماضي، التي رسخت الصلات الممتدة بتواتر بين أشكال التعبير اللفظية في الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح، وبين الفنون البصرية الممتدة من التشكيل إلى العمارة.

وعندما التحق علي سلطان بمدرسة الحفر والطباعة بمدينة بيثانتوس شمال إسبانيا، مطلع الألفية الثالثة، يقول ماجدولين، كان يحقق نبوءة ثاوية في لاوعي خفي، للأعمال القادمة من ذاكرة الترحّل، وملاحقة الأمكنة والوقت وظلال الناس. إنه يلاحظ كيف “يبرز الولع بالصفاء المبهر للون ونقائه الأسطوري، بعضا من سجية طفولية، تتداخل فيها الحروف والمفردات بالحكايات، والقصص بالألوان، لتستوطن بعد مرور عقود، فضاء مشغله، وتضحى تميمته المؤبدة”.

يسترجع علي علي سلطان مسارات رحلة طويلة حققت حلما كبيرا حين وطأ بلادا صدرت رواد الفن التشكيلي العالمي في القرنين الماضيين. شعر أنه دنا من أرواح بيكاسو وميرو ودالي… حاورهم في المنام واليقظة وهو في مراهقته الفنية، وتنفس حضورهم في موطنهم. في إسبانيا، صقل أدواته ودرب حدسه، لكن أعماله تقول إنه مسافر يعود إلى مسقط رأسه مع كل عمل، يعطل آلة الزمن ويستعيد طفولة حياة بلا آلام وبلا مخاطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى