أخر الأخبارفن و ثقافة

مشاغل الفنون: تكريس لحوار الثقافات بموسم أصيلة الدولي

دبريس

من الرسم إلى النحت، ثم إلى الليتوغرافيا، ومختلف أشكال التعبير التشكيلي، تنفتح مشاغل الفنون بموسم أصيلة الثقافي الدولي على تنوع فني وإنساني يجعل من الاختلاف مادة للإبداع، ومن التعددية سبيلا إلى التقارب.

هنا في قصر الثقافة، لا يقتصر حوار الثقافات على الخطابات الجاهزة، بل يتجسد في واقع ملموس يقف فيه الزائر شاهدا على دينامية إبداعية متفردة، تتجلى في تبادل حي للخبرات بين فنانين يعرضون تجاربهم، ويصغون لإيقاعات بعضهم البعض، مع إعادة استكشاف أدواتهم الإبداعية من منظور منفتح على الآخر.

وهو الحوار ذاته الذي قاد الفنان التشكيلي القيرغيزستاني، إبراهيموجو باكيروف، من بلجيكا إلى أصيلة، حيث عبر عن انبهاره بحجم الإلهام الذي استقاه من هذه المدينة المغربية التي يزورها للمرة الأولى.

وفي هذا الصدد، قال الفنان إن “الساكنة هنا استثنائية وتتسم بلطف بالغ تجاه الزوار”، مبرزا أن “المناظر الطبيعية، وغنى التراث الثقافي، والجهود المبذولة لصون الثقافة، تشكل كلها عناصر مبهرة”.

ويقول باكيروف، الذي كان يركز في مشاريعه الفنية على الخيول باعتبارها رمزا للهوية القيرغيزستانية، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن الأشكال البصرية التي أنجزها المشاركون في مشاغل الفنون، إلى جانب زخارف مدينة أصيلة أثارت فضوله للعمل عليها، مؤكدا أن “كل ما في التجربة ملهم”.

ومن جهتها، اختارت الفنانة التونسية، رشيدة عمارة، توظيف فن الحفر على “اللينوليوم” لمقاربة قضايا الهجرة غير النظامية في الفضاء المتوسطي. واعتبرت الفنانة، التي تسجل حضورها الأول في مشاغل الفنون بموسم أصيلة، أن هذه التظاهرة تشكل بمثابة نقطة التقاء بين البحر، كعالم لطالما اشتغلت عليه في بلدها، وبين “العوالم الهندسية التي أبهرتني في مدينة أصيلة الجميلة”.

وأبرزت، في بوح مماثل، أن هذه المشاركة تعد فرصة لإعادة اكتشاف زوايا ورؤى جديدة لم تكن تثير الانتباه من قبل، مما يساهم في إثراء تجربتها الإنسانية والفنية على حد سواء.

واعتبرت، في هذا الصدد، أن المشاغل تشكل فضاء أثيريا يتيح للمبدعين الخروج من عزلة المرفق الخاص والانفتاح على تجارب فنية دولية ذات رصيد معرفي وجمالي متميز، لاسيما وأنها تجمع قامات وثيقة الصلة بالتفكير الجمالي والتعبير البصري، وهو ما يتيح إمكانية إرساء تبادل حيوي لا يقتصر على الأعمال والمقاربات الثقافية والحوار الفكري فحسب، بل يمتد ليشمل شتى أبعاد العيش المشترك والإنساني.

وهو الرأي ذاته الذي يشاطرها إياه التشكيلي المغربي نور الدين تبيت، الذي اعتبر أن المشاركة في هذه المشاغل تشكل إضافة نوعية وتجربة إنسانية وفنية غنية، بالنظر إلى فرص التواصل والتفاعل التي تتيحها مع مبدعين ينتمون لأطياف وثقافات متنوعة.

 وأبرز الفنان، الذي يبصم على مشاركته الثانية في مشاغل الفنون بموسم أصيلة الثقافي الدولي، أن هذا التعدد الثقافي والفني ينعكس بشكل إيجابي ومباشر على مستوى الممارسة التطبيقية والخبرة الميدانية، فضلا عن أثره على الجوانب الشخصية والاجتماعية للفنان بصفة عامة.

 وفي استحضار للذاكرة المكانية، عاد التشكيلي معاذ جباري بذاكرته إلى البدايات الأولى كطفل داخل هذا الفضاء الإبداعي، الذي وصفه  بأنه “كان فضاء بسيطا تتوسطه شجرة تين، ويقتصر أثاثه الأساسي على طاولات فقط”.

 وأشار الفنان إلى أن تلك الحقبة مثلت محطة اكتشاف مفصلية لأطفال أصيلة، نقلتهم من العوالم المحدودة لـ”قلم الرصاص” إلى رحابة عوالم الصباغة والفرشاة وتعدد تقنيات الفن التشكيلي.

 وأشار جباري، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إلى أن الورشة حظيت آنذاك بالتأطير الفني للناقدة والفنانة الإيطالية، طوني ماريني، التي ساهمت بقسط وافر في تلقين الأطفال والناشئة قواعد الفن ومختلف التقنيات التشكيلية في سن مبكرة. وسجل الفنان أن برمجة الموسم كانت تقتضي من كبار الفنانين والأساتذة المشاركين القيام بزيارات لورشة الأطفال بغية تقديم دروس وتطبيقات فنية، مبرزا أن هذه المبادرة أتاحت للناشئة فرصة التعلم والتلقي المباشر عن قامات الفن التشكيلي دون تكبد عناء التنقل خارج مدينتهم، وهو ما شكل نقطة تحول إيجابية وفارقة في المسار التعليمي والفني لجيل سنة 1978.

 وهكذا، أضحت المشاغل الفنية، على مر السنين، فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا بالإبداع، وتتحول فيه الحدود إلى مساحات للتلاقي، مكرسة بذلك قناعة مفادها أن الفن متى انتقل بين الأيادي، استطاع أن يعبر بسلاسة بين الثقافات. وفي رحاب قصر الثقافة بأصيلة،   باتت هذه المشاغل تشكل لوحة فنية تتجاور فيها الألوان والخطوط، لتغدو بذلك ملتقى عالميا تتلاقح فيه تجارب ورؤى فنانين من مختلف الجنسيات والمشارب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى