أخر الأخبارفن و ثقافة

مراد القادري: قصيدة عامية تضج بأصوات الزاوية ومحكيات المقهى الشعبي

دبريس

لا يفرط مراد القادري في صلته بالمكان، مهبط الكلمات، وإلا ضاعت قصيدته التي نسجت بيوتها من ذاكرة الأصوات المتعاركة التي ضجت بها الزاوية والزقاق والمقهى الشعبي، والمشاهدات التي تشربت حياة اجتماعية متدفقة وعلاقات إنسانية مفتوحة على عتبات البيوت العتيقة في سلا.

كبر قبل الأوان ذلك الطفل الذي يسرع الخطى من مدرسته ليباشر خدمة الزبائن في المقهى البسيط لوالده “سيدي أحمد”، حيث يجتمع الحرفيون والصناع البسطاء على كؤوس شاي. تتردد في جلساتهم أمثال ومرويات شعبية وقصائد ملحون تؤثث مباريات “الكارطا”.

منغمسا في عالم الرجال، يكون لمراد أن يطل في زمن مسروق على فضاء الزاوية النسائي بامتياز، الذي لقح قصيدته بإيقاع خاص ومعجم ذي حساسية متميزة. بقدر ما سكنه عمق الملحون وأناقة عبارته، رق قلبه بتراث الحضرة والأذكار الصوفية، فكانت الأجواء الروحية الشعبية حاضرة في هذا الصوت الشعري الذي أطل على الحقل الأدبي المغربي في ثمانينيات القرن الماضي.

يعي مراد ثقل هذه النشأة وسياقها الاجتماعي، الذي تشرب منه الطريق إلى العامية. “أنا سليل وسط صوفي معتق بالتراث الشعبي والشفهي في الزاوية القادرية وسائر سلا التي تعج بإرث الملحون وبكل ما هو تقليدي في المديح والسماع والموسيقى الأندلسية. مدينة تعج بالفلاحين والصناع والحرفيين. العامية ثقافتهم ومادتهم التي يتحدثون بها ويتمثلونها في التعبير عن قضاياهم”، يقول متحدثا لوكالة المغرب العربي للأنباء.

لم تفلح عوالم الأدب الفصيح التي انفتح عليها مراد القادري منذ التحاقه بثانوية النهضة التي أسسها عمه، القيادي الوطني أبو بكر القادري ضمن مشروع تربوي ثقافي لمواجهة الاستعمار، في إزاحة أصوات “حي زناتة” العتيق ونسيج الكلام بإيقاع الذاكرة الفردية والجمعية. تضافرت كل تلك الروافد لتصنع هوية يوجزها في كتابه “أساور عائشة”: شاعر يكتب بالدارجة المغربية. لم يكن خصاما بل تلاقحا بين أهازيج “جيلالة” وقصايد الملحون وأشعار محمود درويش وأحمد عبد المعطي حجازي.

اختمر الانتماء إلى العامية الفسيحة والعابرة للزمن والذاكرة، ليثمر بعد سنوات من المراودة وليدا شعريا أول في غمرة احتفائه بميلاد طفلته البكر، ياسمين. سنة 1995، صدر ديوان “حروف الكف” بسخاء من زوجته التي قدمت حليها قربانا لتمويل الإطلالة الأولى ذات الوقع الاعتباري على المشهد الشعري المغربي. ظل هذا الشعور بالامتنان حيا حتى أسر به في كتاب الشهادات الذي حمل عنوان “أساور عائشة”. ممتن لرفيقة الدرب، وممتن لأم زجت به في متاهة القول الشعري حين همست في أذنه بعبارة أسرته ذات طفولة بموسيقاها “المولى مصطفى، قنديلو ما يطفى، موسو ما يحفى”، في معرض تبركها بأحد القادريين الراقدين في ضريح الزاوية.

لم يكن لهذا الامتلاء الأول بنشوة الانتساب إلى قبيلة الشعراء أن يشبع طموح مراد القادري الذي تأخر قبل أن يقدم نسخته المتجددة مع “غزيل البنات” سنة 2005. كان ذلك قتلا رمزيا للتجربة الأولى، بيان نضج أكبر على درب شعرية عامية أكثر إشراقا، في المعنى والمبنى.

يدرج القادري مساره الشعري ضمن محاولة لتأكيد أن هذه العامية يمكن أن تكون شعرية وأن تكون خلاقة معنى وإيقاعا، لا مجرد أداة تواصل. الشعر خطاب فوق خطاب، استعارات، طبقات من المعاني…وكلها أبعاد يمكن تحققها في عالم العامية. متخيلها الزاخر يسمح لها بأن تكون لغة شعر، في نظر صاحب مجموعتي “طير الله” (2007) و “ترامواي” (2015).

حس الامتنان لمحيطه العائلي والحضري هو ذاته الذي يتمثله في صلته مع الجيل الأول من صناع القصيدة الزجلية المغربية. يستحضر بإجلال مساهمات فصيل حمل مبكرا العامية كأفق للكتابة مثل أحمد لمسيح، ادريس المسناوي، رضوان أفندي…أما هو فينتمي إلى جيل القنطرة التي مهدت لظهور جيل الراهن بأسمائه: يونس تهوش، حميدة بلبالي، دليلة فخري، بوعزة الصنعاوي، ميمون غازي…هي موجة يقدر شعريتها ومتخيلها. تبتعد عن الجيل المؤسس المشدود إلى التراث والعمق العاطفي والرومانسي، وعن جيل السبعينيات الأقرب الى قصيدة الشعارات النضالية، “وهي أقرب إلى جيلنا الذي جعل من تفاصيل الحياة اليومية هاجسا للكتابة، وجعل الكتابة نفسها موضوعا للتجربة”، يضيف القادري رافضا الانطباع الكسول بأن صوت الزجل خفت في الساحة المغربية. اليوم هناك من يكتب الشذرة والقصيدة النثرية العامية وقصيدة الملحون…إلخ. بالنسبة له، مازال للتجربة نفسها الطويل والمتجدد بما يجعلها ضلعا أساسيا في الحقل الشعري المغربي اليوم.

عند مراد ورفاقه في القصيدة، تبدو العامية اختيارا عنيدا يتوارثه جمع شعري تخرج من الجامعات، وبعضهم كتب قصائده الأولى بالعربية الفصيحة، واطلع على الشعر الأجنبي العربي والروسي والأوروبي…ثم تنوعت المؤثرات والروافد الخاصة بكل شاعر، فهو ابن الزاوية في سلا، والمسيح ابن الوسط القروي في سيدي إسماعيل والصنعاوي موهبة تنحدر من سلالة القول الساخر…كل عبر عن عبقرية العامية بنمطه الخاص. الكل انتبه إلى “أهمية أن نكتب لغة الأم، لغة الحلم، ولكن من داخل هواجسنا الخاصة ولغتنا التي تكرس تفردنا”.

مراد ليس شاعرا منزويا إلى هامش محجوب يتوسل انهمار الكلمات خارج ضوضاء الحياة. فرئيس بيت الشعر، في عقده السادس، هو رجل الخدمة الذي ترافقه روح التطوع وثقافة العمل الجمعوي في مجمل المواقع التي ينتسب إليها. هو همة السعي الدؤوب من أجل صياغة المشاريع الثقافية وإرساء الشراكات الإبداعية. يعول عليه رفاق الحقل الثقافي لأنه يملك مزية نكران الذات وقوة الإقناع ودربة الحشد وسهولة بناء الثقة والصداقة لكي تزهر مواعيد أدبية وشعرية تحتفي بتجارب الآخرين.

أخذه عشق الشعرية العامية أبعد من مغامرة التجربة الإبداعية، فقد انكب على الظاهرة بحثا حين ناقش أطروحة دكتوراه تحت إشراف الناقد عبد الرحمان طنكول حول “جمالية الكتابة في القصيدة الزجلية المغربية الحديثة – الممارسة النصية عند أحمد لمسيح”. كان بذلك يمد قوسا يربطه بعميد الأدب المغربي عباس الجراري الذي قدم سنة 1969 في جامعة القاهرة أطروحة رائدة حول الزجل في المغرب من خلال قصيدة الملحون.

وبالرغم من الآصرة العضوية بين القصيدة العامية والوجدان الشعبي العام، يقر القادري بتقصير متبادل من قبل الشعراء وصناع الأغنية المغربية العصرية، لم يسمح ببلورة مشاريع تعاون فني تغني الرصيد الغنائي المغربي، باستثناء مجموعة مؤسسة من كتاب الكلمات كانت منخرطة عضويا في هيكل الموسيقى المغربية، على غرار أحمد الطيب لعلج، الذي يسميه “ألف” الشعر العامي المغربي، وحسن المفتي وعلي الحداني.

يقول القادري “ربما لم نكتب إرضاء للذوق السائد في الأغنية التي تقبل على نصوص تدغدغ العواطف في المقام الأول.. ربما كان بيننا اختلاف في طبيعة الأسئلة الشعرية”. تجارب موسيقية قليلة اشتغلت على قصائده وقصائد أحمد المسيح لكن الحصيلة ظلت إجمالا محدودة.

” مْلِّي مَاتت.. لْقاوها بُوحدها ف البيتْ، (…) شَفْتْ ذِكرى، عْ الحِيطْ.. وعُكّاز.. مْشَى قْبلْ منها وْرشى..وْ الضُّو تطفى فْ عينيهْ كان حيطها.. تَتْكَّى عليه. و كَ شي صْحَاب..هُوَ يْشَدْ فْ يْدّيها، و هي تْخَبّي حُزنها فِيهْ”. نشر الموت سحابته في المصحة التي رقد فيها صريع الكوفيد. مات رفيقه في الغرفة..وكان مراد يترقب نهاية وشيكة، لكنه عاش ليجدد النظر إلى الحياة بهشاشة وعمق صوفي، وليهدي قراءه ديوانا من مخاض الجائحة: “و مْخَبّي تَحْت لسَانِي رِيحَة المُوتْ”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى