
دبريس
تقدم الحكومة برنامج دعم السكن كـ”نجاح وطني باهر”، لكنها تتغاضى عن صورة أكثر تعقيدًا تختبئ خلف الأرقام الرسمية. فحسب تصريحات مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، بلغ عدد المسجلين في البرنامج إلى حدود 9 يوليوز 2025 ما مجموعه 170 ألفا و344 شخصا، من بينهم 76,3% داخل المغرب، و23,7% من أفراد الجالية بالخارج.
لكن، ورغم هذا الرقم الضخم، لم يستفد فعليا من الدعم سوى 55 ألفا و512 شخصًا، مما يطرح علامات استفهام حول النجاعة الفعلية للبرنامج، وجدوى وعوده الاجتماعية.
في الأثناء، يعيش السوق العقاري على وقع موجة غلاء غير مسبوقة، ما كان يعرض بـ250 ألف درهم بالأمس، ارتفع اليوم إلى 350 ألف درهم، دون أن يرف لأحد جفن. عشر ملايين سنتيم إضافية لا تعكس جودة أو تحسنا في البناء، بل تعزى في الغالب إلى آثار جانبية غير محسوبة للبرنامج نفسه، الذي ضخ الطلب في السوق دون ضبط العرض.
المفترض أن يكون البرنامج أداة لدعم الطبقات المتوسطة والمحدودة الدخل، لكنه تحول إلى أرض خصبة للمضاربة العقارية، ولعب الوسطاء والمضاربون الدور الأكبر في تضخيم الأسعار، مستفيدين من الدعم بشكل غير مباشر.
ما تعلنه الحكومة من نوايا لتسهيل الولوج للسكن يتناقض تماما مع الواقع، إذ أصبح البرنامج بمثابة فرصة ذهبية للبعض لتحقيق أرباح سريعة، بينما ينزلق المواطن العادي نحو عتبة العجز.
وحسب البيانات الرسمية، فإن 62% من الطلبات تتعلق بمساكن تتراوح أسعارها بين 300 ألف و700 ألف درهم، مقابل 33% فقط تهم فئة أقل من 300 ألف درهم، وهي الفئة التي يُفترض أنها المستهدفة الأولى بالدعم.
هذا الخلل يكشف انحرافا عن المسار، وتحول البرنامج من مشروع اجتماعي إلى أداة تغذي منطق السوق والمضاربة، بدل أن تعالج أزمة الولوج إلى السكن.
الدعم المعلن يبدو سخيا على الورق: 100 ألف درهم للمساكن التي لا تتجاوز 300 ألف درهم، و70 ألف درهم لما فوق 700 ألف، لكنه لا يصمد أمام واقع الأسعار الملتهب، حيث ما تعطيه الدولة يُسترجعه السوق، مع أرباح مضمونة ونظرة ساخرة للطبقات الوسطى.
ورغم تقديم أرقام تبدو واعدة: 46% من المستفيدين نساء، و54% رجال، متوسط أعمارهم 41 سنة، و37% منهم دون 35 سنة، فإن هذه المعطيات لا تخفي الأزمة الحقيقية: الحلم بالسكن يتآكل تحت ثقل المضاربة، وأول المستبعدين هم الشباب والأسر محدودة الدخل.
المدن الأكثر تضررا من المضاربة معروفة: فاس في الصدارة، تليها برشيد، القنيطرة، الدار البيضاء، الجديدة، بنسليمان، سطات، وجدة، وبركان، في ترتيب يعكس بوضوح خارطة “الربح العقاري المدعوم”.
والمفارقة أن الحكومة، بدل أن تعترف بالاختلالات، تفضل التحدث عن “أوراش مفتوحة” و”اهتمام متزايد”، لكنها تتفادى كليا الخوض في تفاصيل الانفجار في الاسعار أو تقديم إجراءات حقيقية لضبط السوق.
وفيما تحاول الأسر جاهدة تحويل أحلامها إلى أقساط شهرية قابلة للدفع، يواصل المضاربون رسم خططهم القادمة، وعلى إيقاع برنامج دعم تحول من أداة للإنصاف الاجتماعي إلى هدية غير معلنة لسماسرة العقار.



