فن و ثقافة

السينما الإفريقية أداة لإعادة تموضع القارة داخل السردية الإنسانية الكبرى

دبريس

لا ينظر المخرج السنغالي، نيكولا ساوولو سيسي، إلى السينما الإفريقية باعتبارها وسيلة للتعبير الفني أو مجرد فضاء لسرد الحكايات، بقدر ما يراها أداة لإعادة تموضع القارة داخل السردية الإنسانية الكبرى، واستعادة حقها في رواية ذاتها من الداخل.

ويعتبر صاحب فيلم “ذاكرة شجرة المانجو”، المشارك في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة ضمن الدورة الــ26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، أن أحد أكبر التحديات التي تواجه السينما الإفريقية اليوم يتمثل في إعادة تعريف مركز العالم من منظور إفريقي.

ففي حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، يدعو المخرج السنغالي إلى التحرر من التصورات التي رسخت لدى أجيال متعاقبة فكرة أن مركز العالم يوجد خارج القارة، معتبرا أن “هذا المركز ينبغي أن يوجد هنا أيضا، داخل الفضاء الإفريقي نفسه، وأن تنطلق منه رؤيتنا لأنفسنا وللعالم”.

“لقد تربينا نحن الأفارقة على أن مركز العالم ليس عندنا”، هكذا يلخص المخرج نظرة القارة التي سادت طويلا إلى ذاتها. فبالنسبة إليه، مفهوم الحقيقة يجب أن يأتي من دول الجنوب كذلك، ليس من خلال الخطابات العاطفية أو الدعائية، وإنما عبر فهم أكثر عمقا للواقع وتقديم قراءة جديدة للذاكرة الإفريقية.

ومن هذا المنظور، يرى أن على الأفارقة أن ينطلقوا أولا من فضائهم الثقافي والإنساني الخاص. في نظره، كل فيلم إفريقي لا يشكل عملا فنيا معزولا في القارة، بقدر ما يشكل لبنة جديدة داخل بناء جماعي أوسع، قوامه الذاكرة والهوية والسرد المشترك.

ويشير المخرج إلى أن التحدي لا يكمن في التطلع إلى العالمية عبر تقليد الآخرين، بل “يجب على الإنسان أن يظل على طبيعته”، والانطلاق منها نحو الجمهور الدولي، مضيفا أن رقصات الـ”يوروبا” الإفريقية، الأزياء، والحياكة، والنسيج، وأوراق الأشجار التي تجدل من أجل المسكن، وكل ما تزخر به القارة من تنوع ثقافي يشكل موردا للسينما للوصول إلى المشاهد الدولي.

ومن هذا المنطلق، يدعو صاحب “مبيوبوس، تربة الأمل” وهو أول فيلم روائي طويل له، المخرجين الأفارقة إلى الانشغال بقصصهم الخاصة بدل “اجترار قصص الآخرين”، مؤكدا أن البلدان الإفريقية تختزن رصيدا هائلا من الحكايات والأفكار والرموز والدلالات القادرة على إنتاج أعمال سينمائية متفردة.

ويرى ساوولو سيسي أن الحاجة إلى هذه القصص تنبع من كون السينما العالمية عالجت، على امتداد أكثر من قرن، معظم الموضوعات الكبرى المرتبطة بالحب والموت والحرب والقلق والوجود الإنساني، معتبرا أن السينما الإفريقية يجب أن تقدم زوايا جديدة مستمدة من تجارب القارة وذاكرتها عوض تكرار ما أُنجز سابقا.

وفي أعماله، لا يحصر ساوولو سيسي اهتمامه في قضايا أو موضوعات بعينها، فالحب، والحرب، والدين، والكراهية، وكل ما يلامس التجربة الإنسانية صالح لأن يتحول إلى مادة سينمائية لأن هذه المواضيع “يتيمة الذاكرة في إفريقيا” كما يقول، مؤكدا أنها “تنتظر في النهاية أن يأتي شباب المستقبل لينبشوا فيها ويقولوا: آه، لقد وجدت في هذه الحياة الصغيرة التي أعيشها وعشت فيها دائما، سرا صغيرا وسأكشفه للآخرين”.

وفي ظل “الحضارة العالمية الشاملة” وتداخل الهويات، قال ساوولو سيسي إن صياغة سينما إفريقية خاصة أمر جيد، ولكن يجب أن تنخرط في جزء من الإنسانية العالمية دون التخلي عن أصالتها، منطلقا من قناعة مفادها أن قوة أي عمل فني لا تكمن في انغلاقه على ذاته، بل في قدرته على مخاطبة العالم انطلاقا من جذوره الخاصة.

ويستحضر ساوولو سيسي، في هذا الصدد، المسار الذي قطعته السينما الإفريقية منذ ولادتها، كفضاء للتجريب والبحث. “فمهما بلغت قوتها، ومهما اتسمت به من طليعية وجرأة إبداعية، ومهما قدمت من أعمال مدهشة، فإنها لم تنجح دائما في التحول إلى صناعة قادرة على خلق الثروة بالقدر نفسه”، وهو ما يراه مفارقة مؤسفة بالنظر إلى ما تختزنه من طاقات فنية وتنموية كبرى.

ويضيف أن مستقبل السينما الإفريقية، يمر عبر إنتاج أعمال جديدة تقدم للبشرية رؤى وتجارب مختلفة، وتفتح نوافذ على عوالم لم يسبق للمشاهد العالمي أن استكشفها من قبل.

وخلص المخرج السنغالي إلى أن إفريقيا لم تحتل بعد مكانة مهمة داخل المشهد السينمائي العالمي، وأمامها مساحة واسعة لاستثمار ثرائها الإنساني والثقافي وتحويله إلى قوة سردية قادرة على التأثير والإقناع وإعادة رسم صورة القارة في الوعي العالمي.

ويعد نيكولا ساوولو سيسي من الأسماء النشطة في الساحة الفنية السنغالية والدولية، حيث انخرط في عدد من المبادرات الثقافية والفنية المرتبطة بالتصميم والإبداع الإفريقي. وتخرج مهندسا معماريا ومخططا عمرانيا من مدرسة الهندسة المعمارية بداكار، قبل أن يكرس جزءا مهما من مساره للإنتاج والإخراج السينمائي.

أما أول أعماله السينمائية، فهو الفيلم القصير (Blissi Ndiaye ou la visite de la dame)، الذي أخرجه سنة 2010، وتم اختياره للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان ” فيسباكو ” ببوركينا فاسو سنة 2011، ومهرجان “أنجيه” السينمائي بفرنسا خلال السنة ذاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى