ابنة الطبيعة نادية حمايتي التي جعلت من الدفاع عن البيئة معركة يومية

دبريس
“أنا ابنة الطبيعة، وأتمنى أن أكون بارة بها”، بهذه العبارة البسيطة والمكثفة، في الآن ذاته، تختصر الفاعلة البيئية نادية حمايتي، رئيسة جمعية “لاسييستا” لحماية البيئة، علاقتها بالأرض؛ علاقة تتجاوز الإعجاب بجمال الطبيعة إلى التزام يومي بالدفاع عنها والحفاظ على توازنها.
لم تكن البيئة، نقطة البداية في المسار الأكاديمي لنادية حمايتي، الحاصلة على شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال ضمن تخصص الانخراط البيئي للصناعة. فقد درست في البداية التواصل والتسويق وحصلت في هذا التخصص على شهادة الماستر، قبل أن تقودها قناعاتها وتجاربها الشخصية إلى توجيه مسارها نحو قضايا البيئة.
ويعد اختيار الدفاع عن البيئة، بالنسبة إليها، مسارا والتزاما وتكوينا أيضا، وهي تشتغل اليوم في مجال الاقتصاد الدائري وتواكب تكوين الأطر والطلبة في مؤسسات التعليم العالي. أما الوعي البيئي، وإن كان جزءا من موضوعات التعليم والإعلام، فتراه نادية حمايتي “حصيلة تراكم وتجارب، خاصة حين يكون المرء معنيا بالموضوع بشكل مباشر”.
وتقول الفاعلة البيئية، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، وهي تستحضر لحظة مفصلية في مسار معاركها البيئية، “ذات يوم من سنة 2015، تمت في أقل من 24 ساعة، إزالة كثبان رملية بشاطئ لاسييستا بمدينة المحمدية، حيث أقطن، واستُعمل بعضها في مشاريع بناء”. تتذكر حمايتي، هذه اللحظة التي أطلقت خلالها حملة بعنوان “أنقذوا الكثبان الرملية للمحمدية”، خاطبت من خلالها مختلف نشطاء العالم الرقمي، وكانت أولى معاركها البيئية.
وكعاشقة للطبيعة والبحر، تسجل أن صحوتها البيئية انطلقت من تلك اللحظة، حين “أدركتُ أن لديّ صوتا يمكن أن يُسمع”. وتقول: “لم أكن حينها منخرطة في العمل المدني، ثم عزمت على الدفاع عن الطبيعة والبحر وحق الكثبان الرملية في البقاء …، وقررت أن تكون حماية البيئة محور أنشطتي في الحياة”.
وتُقر نادية حمايتي بما أسمته بـ”الفشل في الدفاع عن قطعة من البحر”، لكنها تقول “نجحنا في تسليط الضوء على عدد من الإشكالات البيئية في المغرب وفي المحمدية خاصة”، مبرزة أن الحملة كشفت لها أيضا قوة الإعلام الرقمي في إثارة النقاش العمومي حول القضايا البيئية.
هذا الالتزام دفعها لاحقا إلى الانخراط في العمل الجمعوي من خلال جمعية “لاسييستا”، التي كانت في الأصل إطارا مدنيا محليا يهتم بقضايا حي “لاسييستا” بالمحمدية، قبل أن تتحول تدريجيا إلى فضاء للنقاش والعمل البيئي. وتقول حمايتي إن إعادة إحياء الجمعية جاء نتيجة بحثها عن فضاء يمكن من خلاله مناقشة القضايا البيئية التي بدأت تثيرها، ليتوسع نشاطها لاحقا ويشمل قضايا تتعلق بالبيئة والفضاء الحضري وحق السكان في بيئة سليمة.
ومن بين المبادرات التي تعتز بها في هذا المسار، تلك المرتبطة بتوعية الأطفال بالقضايا البيئية. فقد اكتشفت، من خلال التعامل معهم، أن لديهم وعيا بيئيا “فطريا” يتجاوز في كثير من الأحيان سنهم، وتقول في هذا الصدد: “كل ما له علاقة بتوعية الأطفال يسعدني”، قبل أن تضيف أن “العمل المدني لا يقتصر على التوعية فقط، بل يمتد أيضا إلى التأثير في النقاش العمومي وصنع القرار”.
وتدافع نادية حمايتي في هذا الإطار على دور المجتمع المدني في مساعدة صناع القرار على فهم الإشكالات البيئية المطروحة، بل وحتى التنبيه إلى مخاطر بعض السياسات أو القوانين التي قد تكون لها آثار سلبية على البيئة، مسجلة أن “كل ما له علاقة بالبيئة له علاقة بالعلم، والعلم متطور ولا حد له، لأن له علاقة بسياق التغيرات المناخية ومختلف الضغوطات على كوكب الأرض”.
وتتذكر في هذا السياق مشاركة جمعية “لاسييستا” في إطلاق مشروع يهم الانتقال الطاقي العادل بالمغرب سنة 2022، من خلال خلية تفكير ضمت ممثلين عن الجامعة والمجتمع المدني والقطاعين العام والخاص والصحافة والمنتخبين، حيث ركزت على مناقشة مستقبل الانتقال الطاقي في المملكة واقتراح سبل تحيين الإطار القانوني المؤطر له.
وترى حمايتي أن المغرب يوجد اليوم في موقع ريادي في ما يتعلق بمواجهة التغيرات المناخية، وذلك بفضل التزامه البيئي ومشاريعه الطاقية الكبرى، رغم التحديات المرتبطة بالحفاظ على التوازن بين التنمية الاقتصادية والالتزامات البيئية.
واعتبرت أن الطريق نحو انتقال طاقي عادل، يبقى طويلا، خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير منظومة اقتصادية جديدة تقوم على الاقتصاد الأخضر، مع الحرص على “ألا تتحول بعض مشاريع إنتاج الطاقة نفسها إلى مصدر جديد للضغط البيئي “.
وردا على سؤال حول كيف يمكن للمجتمع المدني أن يقوم بدور مؤثر في النقاش حول الانتقال الطاقي؟ تقول الفاعلة المدنية إن “التأثير ممكن، والكيف ينطلق من المبادرات التي تستوجب انفتاح الفاعلين في المؤسسات وصناع القرار وثقتهم في المجتمع المدني الجاد الذي يقدم ملفاته التي تساعد على اتخاذ القرار البيئي وتعديل القوانين ذات الصلة أيضا”.
وبخصوص موضوع إزالة الكربون، الذي يعد أحد المفاتيح الأساسية لتقليص الانبعاثات الصناعية والانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة، والذي يحتل اليوم مكانة متقدمة في النقاشات البيئية الدولية، تؤكد رئيسة جمعية “لاسييستا” أن هذا الموضوع “لا ينبغي أن يبقى مجرد شعار أو موضوع للنقاشات، بل يجب أن يقوم على مقاربة شاملة تشمل قياس الانبعاثات بدقة، ومواكبة القطاع الصناعي، وتوفير تحفيزات ضريبية للتقليل من الكربون”.
غير أن معركة البيئة، في نظر حمايتي، ليست فقط معركة سياسات وقرارات، بل هي أيضا معركة وعي مجتمعي تلعب فيها النساء دورا محوريا. وترى الفاعلة البيئية أن المرأة غالبا ما تكون “الأقرب إلى تدبير الموارد في الحياة اليومية، سواء في المدينة أو في العالم القروي”.
وأوضحت أن النساء في البوادي، على سبيل المثال، يعشن بشكل مباشر آثار الجفاف ونقص الموارد، كما يتحملن مسؤوليات إضافية في حالات الأزمات البيئية، وهو ما يجعل انخراطهن في العمل البيئي “مسألة حتمية”.
ونوهت حمايتي إلى أن النساء، لا سيما الحاضرات في مواقع القرار البيئي، يمتلكن مقومات مهمة لخوض المعارك البيئية، من بينها الصبر وطول النفس والقدرة على الاستمرار في الدفاع عن القضايا التي يؤمنّ بها، مشيرة إلى أن بعض الدراسات العالمية تؤكد ذلك.
وأضافت أن “هذا الانخراط لا يخلو من تحديات، خاصة حين يتعلق الأمر بالعمل الميداني وما يتطلبه من تنقل ووقت وتعامل مع ملفات قد تكون ذات حساسية اقتصادية أو قانونية”، وهو ما يستدعي، على حد قولها، معرفة دقيقة بالقوانين المؤطرة للعمل البيئي.
أما حلمها البيئي خلال السنوات القادمة، فهو رؤية مدن مغربية بلا تلوث. فالتلوث، كما تقول، “قاتل صامت”. وتدعو في هذا السياق إلى تطوير البحث العلمي حول آثار هذه الإشكالية البيئية، وإحداث منشآت طبية متخصصة في علاج الأمراض التنفسية والجلدية في المناطق الأكثر تعرضا للتلوث الصناعي.
وبالموازاة مع ذلك، تطمح إلى إنتاج برنامج إعلامي متخصص في قضايا البيئة يقدم محتوى معرفيا وتوعويا “يتجاوز المعالجة النمطية، ويعمل على تغيير سلوك المواطنين تجاه البيئة”. أما رسالتها لصناع القرار فترتكز على الثقة، وتقول إن “الفاعل المدني يمتلك معلومة القرب التي يمكن أن تساعد المسؤول العمومي على فهم أفضل للإشكالات البيئية على أرض الميدان”.
وتشير من جانب آخر، إلى مدينة الرباط كنموذج أقرب إلى التوازن البيئي، بما تتميز به من مساحات خضراء واعتماد على استعمال المياه المعالجة في السقي، فضلا عن بعدها عن الأنشطة الصناعية الملوثة.
وتميل هذه المدافعة عن البيئة في قراءاتها، إلى التقارير العلمية المرتبطة بالبيئة وإلى الروايات التي تنشغل بفلسفة الوجود ومعنى حضور الإنسان على الأرض.



