“هابي بيرث داي” للمصرية سارة جوهر في الداخلة: نشيد طفولة مسروقة بحساسية فنية عميقة

دبريس
تقدم المخرجة المصرية سارة جوهر في فيلمها الطويل الأول “هابي بيرث داي” الذي يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان الداخلة الدولي للفيلم، تجربة إبداعية واقعية مشبعة بحس إنساني رفيع يسائل مأساة الطفولة المسروقة وتشغيل الفتيات في سياق تفاوت طبقي صارخ.
دراما إنسانية لكن دون مأساوية متضخمة، بل نشيد حياة ورغبة في إثبات الذات تشخصها الطفلة “توحة” التي تعمل خادمة في بيت أسرة ميسورة. تنبني الرسالة الغاضبة للفيلم على التناقض بين وضع “توحة” وموقع قرينتها “نيللي”، ابنة سيدة البيت التي تنعم بالرعاية الواسعة والتمدرس، بينما يتم تسخير “توحة” لخدمتها وخدمة الوالدة والجدة المريضة.
ينصب سيناريو الفيلم فخا للمشاهد يهز ضميره ويسحبه إلى تفكير جذري في ظاهرة تشغيل الأطفال من خلال أرضية درامية ملتبسة. تبدو الطفلة “توحة” في وضع مريح محاطة بقدر من العطف والمعاملة الطيبة من لدن جميع أفراد البيت، حتى أنها تتطلع إلى عيد ميلاد “نيللي” بحماس كبير للاستمتاع بالحفل. يوم الحفل يصبح لحظة حقيقة فاصلة، لأن العائلة سترفع فجأة الفيتو أمام انضمام “توحة” إلى مسرح الاحتفال بما قد يشوش على الصورة الأرستقراطية للأسرة أمام المدعوين. صدمة تتجرعها الطفلة بمرارة واختبار فاضح لحنان مزيف سقط في لحظة حقيقة.
برهنت المخرجة عن قدرتها على إدارة الطفلة ضحى رمضان “توحة” التي ظهرت في أداء طبيعي يعكس حسا فطريا عميقا، تفاعل مع احترافية نيللي كريم في دور مشغلتها، وحنان مطاوع في دور الأم. راهنت كثيرا على حركة كاميرا متوترة ومقربة ترصد إيماءات ونظرات وأنفاس شخصيات تحكي وضعها الاجتماعي وعطبها النفسي ليس بالحوار فقط، بل أيضا ببوح العين وتعبيرية الجسد.
موضوع الطفولة المنتهكة يتضافر مع موضوع آخر يتمثل في غياب الأب الذي يكتسي هو الآخر طابعا طبقيا. فوالد “توحة” غاب غرقا في النهر الذي يصطاد منه السمك ليعيل عائلته، بينما يغيب والد “نيللي” بسبب “اختلاف وجهات نظر” مع الزوجة في العائلة الغنية.
ويمتاز الفيلم بتوغل رقيق وهادئ في التفاصيل النفسية والاجتماعية التي تحرك الشخصيات. ولعل ارتباط الموضوع بتجارب شخصية من طفولة المخرجة سارة جوهر يفسر تفوقها في هذا الرهان، والذي زكاه عمل جاد لإنضاج هندسة العلاقات والتطور الدرامي للشخصيات. وقد تكاملت الذاكرة الشخصية لسارة جوهر مع النص الذي كتبه الثنائي الناجح في الساحة الدرامية المصرية، خالد دياب وشيرين دياب. وتم تطوير السيناريو بالتعاون مع محمد دياب، على مدى خمس سنوات ليثمر فيلما شارك في إنتاجه النجم الهوليودي جيمي فوكس.
وينسجم الفيلم مع فلسفة برمجة واضحة في اختيارات المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم بالداخلة، والذي يركز على أعمال تحكي بصدق وإبداعية قصصا إنسانية من المجال العربي والإفريقي.
وتتنافس في مسابقة المهرجان للأفلام الطويلة 9 أعمال للظفر بالجائزة الكبرى للداخلة، وجائزة لجنة التحكيم، وجائزة أفضل ممثلة، وجائزة أفضل ممثل.
وتضم لجنة تحكيم مسابقة الفيلم الطويل إلى جانب المخرج والمفكر المالي مانتيا دياوارا رئيسا، الممثلة المغربية نسرين الراضي، والمخرجة النيجيرية عائشة ماكي، والخبير السينمائي النرويجي أندرس تانجن، والمخرج والمنتج الفلبيني كريستيان باولو لات.



