أخر الأخبارالعالمعام

جنوب إفريقيا: أزمة المياه نقطة ضعف رئيسية لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي قبل الانتخابات البلدية

دبريس

تفرض أزمة تدهور إمدادات مياه الشرب نفسها باعتبارها أحد أبرز رهانات الانتخابات البلدية المقررة في 4 نونبر بجنوب إفريقيا، حيث تؤجج أعطال البنيات التحتية وحالات التلوث المتكررة وصعوبات تدبير البلديات استياء السكان، بما يضعف موقع حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم منذ سنة 1994.

وقبل أقل من أسبوعين على موعد الاقتراع، تتزايد التحذيرات الصحية، إذ فعلت فعلت سلطات بلدية تشواني في بريتوريا نظاما بديلا للإمداد بالمياه، عقب اكتشاف تلوث ميكروبيولوجي للمياه القادمة من خزان “فايندلاي” في 21 أكتوبر الجاري.

ويرجح أن يكون كسر في إحدى قنوات الصرف الصحي قد سمح بتسرب مياه ملوثة إلى شبكة التوزيع، متجاوزا قدرة أنظمة المعالجة بالكلور المتاحة.

ودعي سكان 22 منطقة، من بينها أركاديا وماراباستاد ووسط بريتوريا وساني سايد، إلى غلي مياه الصنبور لمدة دقيقة واحدة على الأقل قبل استخدامها للشرب أو الطهي أو تنظيف الأسنان.

وعزلت البلدية مصدر التلوث وأفرغت الخزان المعني، مع التخطيط لتوزيع مياه الشرب بواسطة الشاحنات الصهريجية.

ويأتي هذا التحذير الجديد في سياق مقلق بشكل خاص في برونخورستسبرويت، حيث سجلت 408 حالات من الاضطرابات المعدية والمعوية بين 7 و18 أكتوبر، معظمها لدى أطفال تقل أعمارهم عن أربع سنوات.

وكشفت التحاليل عن مستويات مرتفعة للغاية من بكتيريا القولون في المياه، التي لم تخضع للمعالجة بالكلور بين 24 شتنبر و14 أكتوبر، بسبب صعوبات في التزود بهذه المادة.

وأكد المدير العام لوزارة المياه والصرف الصحي، شون فيليبس، ضرورة مواصلة الالتزام بالقيود المفروضة، قائلا إنه “يجب عليهم الاستمرار في عدم استخدام هذه المياه”، موضحا أن عملية المعالجة بالكلور استؤنفت، لكن الشبكة لا تزال بحاجة إلى تطهير كامل من بقايا المياه غير المعالجة.

وأفضت الأزمة إلى فتح تحقيق من قبل مؤسسة حماية المواطنين بشأن احتمال وجود اختلالات إدارية في بلدية تشواني، ولا سيما عدم تحذير السكان.

من جانبها، وصفت اللجنة الجنوب إفريقية لحقوق الإنسان الوضع بأنه انتهاك خطير للحقوق الأساسية، وانتقد مفوضها، هينك بوشوف، سنوات من الإهمال وسوء التدبير المالي، قائلا “إن غالبية البلديات أهملت ببساطة صيانة بنياتها التحتية”.

وأضاف أن الأموال المخصصة للتجهيزات الأساسية أسيء تدبيرها أو تم توجيهها إلى نفقات أقل أولوية.

وفي جوهانسبورغ، تؤجج أعطال الشبكات بدورها غضب السكان. ففي حيي مالفيرن وبيزويدنهوت فالي، شرقي المدينة، تلقى السكان ما لا يقل عن عشرة تحذيرات وتحديثات احترازية بشأن جودة المياه منذ دجنبر 2025، فيما استمرت بعض الانقطاعات مدة وصلت إلى أسبوعين.

واتهم منتخبان محليان الجهات المسؤولة عن الأشغال في قنوات الصرف الصحي بضعف المراقبة، موضحين أن الآليات المستخدمة أثناء الإصلاحات تتسبب في إتلاف أنابيب مياه الشرب، ما يؤدي إلى انقطاعات متكررة ومخاطر التلوث.

وتندرج هذه الحوادث ضمن أزمة وطنية في قطاع الصرف الصحي. فوفقا لبيانات نشرتها وزارة المياه والصرف الصحي مطلع أكتوبر، ارتفع عدد الملفات المرفوعة ضد السلطات المسؤولة عن خدمات المياه بسبب التلوث الناجم عن البنيات التحتية للصرف الصحي من 96 إلى 107 ملفات، تشمل 71 جهة مسؤولة.

كما صنف تقييم “غرين دروب 2025” ما مجموعه 396 نظاما للصرف الصحي من أصل 848 نظاما خضع للتقييم ضمن الفئة الحرجة، مقابل 334 نظاما سنة 2022.

وخصصت الحكومة 2.923 مليار راند لتمويل 87 مشروعا للبنيات التحتية للصرف الصحي خلال السنة المالية 2026-2027، دون تحديد جدول زمني موحد لإعادة تأهيل جميع المنشآت المتدهورة.

وتعزز نتائج دراسة أجرتها منظمة “ووتر كان” هذه المخاوف. فقد أشار تقرير نشرته المنظمة في دجنبر الماضي إلى أن ثلثي مصادر إمدادات المياه التي شملها الفحص سجلت مستويات مرتفعة من البكتيريا. وفي إقليم خاوتينغ، اعتبرت 39 عينة من أصل 59، أي نحو 66 في المائة، غير صالحة للاستهلاك البشري.

وقد تنعكس أزمة الخدمات العمومية على نتائج صناديق الاقتراع. ففي جوهانسبورغ، منح استطلاع أجرته مؤسسة “مارك داتا” خلال الفترة الممتدة من 10 غشت إلى 14 شتنبر، وشمل 1011 شخصا، التحالف الديمقراطي 35 في المائة من نوايا التصويت، مقابل 21.8 في المائة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي.

وحصل حزب “أومخونتو وي سيزوي” (رمح الأمة)على 12.5 في المائة، متقدما على حزب المقاتلين من أجل الحرية الاقتصادية الذي نال 11.9 في المائة، وحزب “أكشن إس إيه” بنسبة 10.3 في المائة.

ويبرز الاستياء من التدبير البلدي بشكل خاص، إذ يرى 68.7 في المائة من المستجوبين أن جوهانسبورغ أديرت بشكل سيئ أو سيئ للغاية خلال السنوات الخمس الماضية.

وانتقد 61.5 في المائة من المشاركين إمدادات المياه، فيما أعرب 63 في المائة عن استيائهم من نتائج تدبير قطاعات الكهرباء والطرق والصرف الصحي. كما حمل 76.6 في المائة منهم حزب المؤتمر الوطني الإفريقي مسؤولية اختلالات الخدمات البلدية.

وفي إيثيكويني، التي تضم مدينة ديربان، يواجه الحزب الحاكم منافسة متزايدة من حزب “أومخونتو وي سيزوي” الذي يتزعمه الرئيس السابق جاكوب زوما. ووفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة إيبسوس ونقلته وسائل إعلام، تراجع التأييد للحزب الحاكم إلى نحو 10 في المائة، بعدما حصل على 42.02 في المائة من الأصوات سنة 2021، في حين يتوقع أن تبلغ نسبة تأييد حزب “أومخونتو وي سيزوي” 55 في المائة.

وتفقد هذه الحاضرة، وفق تقديرات أوردتها التقارير، أكثر من 65 في المائة من مياهها بسبب التسربات، بينما يتطلب إصلاح منشآت معالجة المياه العادمة نحو ستة مليارات راند.

وفي نيلسون مانديلا باي، قد تصل خسائر المياه إلى 60 في المائة بسبب التسربات وتقادم الأنابيب، إذ تتطلب أعمال إصلاحها واستبدالها ما يقارب مليار راند.

أما في مانغاونغ، فتقدر نسبة ضياع المياه بنحو 50.6 في المائة، في ظل مواجهة البلدية صعوبات مالية وتشغيلية حادة.

وتشكل هذه الاختلالات تحديا كبيرا أمام حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي يسعى إلى الحفاظ على نفوذه في المدن الكبرى، في مواجهة معارضة متفرقة، لكنها تزداد قدرة على المنافسة.

ومن المتوقع أن تظل التحالفات عاملا حاسما في عدد من المجالس البلدية، حيث لا يبدو أن أي حزب يضمن الحصول على أغلبية بمفرده.

وبذلك، قد تؤثر قدرة الإدارات المحلية على ضمان إمدادات منتظمة وآمنة من مياه الشرب بشكل كبير في اختيارات الناخبين.

وبعيدا عن النتائج المسجلة في كل مدينة، لا تشكل الانتخابات البلدية المقررة في 4 نونبر استحقاقا عاديا، بل تأتي في مرحلة يتوقع أن تشهد تحولات وإعادة اصطفاف في المشهد السياسي بجنوب إفريقيا.

وستكون نسبة المشاركة الانتخابية وقدرة الأحزاب على إبرام التحالفات عاملين حاسمين، في وقت لا تزال فيه بلديات عديدة تواجه أزمة في الحكامة ومطالب متزايدة بتوفير خدمات عمومية موثوقة.

وإذا صح أن نتائج الاقتراع هي وحدها من ستكشف عن حجم هذه التحولات واتجاهها، يبقى من المؤكد أن جنوب إفريقيا توجد عند منعطف حاسم وأن التغيير بات حتميا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى