المملكة المتحدة: بورنهام يوظف شبكات التواصل الاجتماعي لترسيخ حضوره السياسي

دبريس
من ممارسة رياضة الجري إلى جانب البطل الأولمبي مو فرح، إلى التنقل على متن حافلة لندنية وارتداء قميص إيفرتون، ناديه المفضل، اختار رئيس الوزراء البريطاني، آندي بورنهام، أن يجعل من شبكات التواصل الاجتماعي فضاء جديدا لبناء صورته والترويج لبرنامجه السياسي.
وجسدت اللقطات التي ظهر فيها رئيس الوزراء وهو يركض إلى جانب مو فرح، والتي جرى تداولها على نطاق واسع، استراتيجية القرب والانفتاح على فئات جديدة من الجمهور. ففي غضون أسابيع قليلة، فرض بورنهام أسلوبا مباشرا وأكثر إنسانية؛ وهي استراتيجية يبدو أنها بدأت بالفعل تعزز شعبيته الشخصية، ومكنت في الوقت نفسه حزب العمال من استعادة موقعه كأول قوة سياسية في المملكة المتحدة.
فبمجرد استقراره في “داونينغ ستريت”، أدرك بورنهام أنه لمخاطبة الناخبين بات من الضروري الخروج من وراء منبر الخطابات، والابتعاد عن المقابلات التلفزيونية والعبارات التقليدية، بحسب محللين سياسيين.
وتزامنت أسابيعه الأولى على رأس الحكومة مع حملة رقمية مدروسة بعناية. فمن خلال مقاطع الفيديو، والتعاون مع المؤثرين، وتوظيف الكوميديا الإنجليزية، ومشاهد من الحياة اليومية، يسعى رئيس الوزراء الجديد إلى الحضور حيث يوجد الناخبون، والهواتف في أيديهم.
ويبدو التباين لافتا مع سلفه كير ستارمر؛ ففي الوقت الذي كان فيه أسلوب ستارمر في التواصل يوصف غالبا بالجمود، يراهن بورنهام على الحوار والعفوية، مستفيدا من كاريزما يعترف بها حتى منتقدوه.
ويرى جيمس ليونز، المتخصص في التواصل السياسي، أن بورنهام نجح في المعادلة الصعبة المتمثلة في أن يكون “جادا للغاية” في أداء مهامه من دون أن “يأخذ نفسه على محمل الجد أكثر من اللازم”.
وأضاف الخبير أن “بورنهام أكثر عفوية وارتياحا واستعدادا للمخاطرة”، مبرزا أن شبكات التواصل الاجتماعي تتيح للزعيم العمالي فرصة التواصل مباشرة مع الناخبين “حيث يوجدون وحيث يتلقون المعلومات”، قبل أن يضيف أن “بورنهام يبدو أنه استوعب جيدا هذا الواقع الجديد”.
وتقدم الأرقام مؤشرا أوليا على “تأثير بورنهام”، إذ سجل حسابه على إحدى منصات التواصل الكبرى ارتفاعا لافتا خلال أسبوعه الأول في “داونينغ ستريت”، منتقلا من أقل من 99 ألف متابع إلى أكثر من 170 ألفا.
ولاقت بعض المضامين تفاعلا واسعا بشكل خاص. فقد تجاوز مقطع فيديو حول أسعار النقل، صور داخل حافلة رفقة مؤثرة شهيرة تلقب بـ”Bus Aunty”، مليوني مشاهدة، وحصد مئات الآلاف من التفاعلات. كما سجل مقطع آخر حول أهمية المهن العملية نحو 700 ألف تفاعل خلال الأيام الأولى للعمدة السابق لمانشستر على رأس الحكومة الحالية.
ويجيد بورنهام أيضا توظيف الجانب الشخصي. ففي ظهور ضمن برنامج “بودكاست” يحظى بشعبية في المملكة المتحدة، تحدث بتأثر عن والده، الذي يعاني من مرض خطير ولا يعلم أن ابنه أصبح رئيسا للوزراء. وأثار المقطع مئات الآلاف من التفاعلات على إحدى منصات التواصل الاجتماعي في فترة وجيزة، معززا التعاطف الذي يحظى به السياسي البريطاني.
وتكتسي هذه الاستراتيجية أيضا بعدا سياسيا، إذ يسعى بورنهام إلى استعادة المساحة التي شغلها حزب “ريفورم يو كاي” المناهض للهجرة، والذي احتكر لفترة طويلة جانبا مهما من الفضاء الرقمي بفضل الظهور اللافت لزعيمه نايجل فاراج.
ولا يزال فاراج يحظى بقاعدة جماهيرية أكبر بكثير، غير أن استطلاعات الرأي الأولى التي أجريت بعد وصول بورنهام إلى “داونينغ ستريت” تشير إلى أن حزب العمال نجح بالفعل في إزاحة “ريفورم يو كاي” من الصدارة.
وأظهر استطلاع أنجزته هذا الأسبوع مؤسسة “مور إن كومون” أن حزب العمال يتصدر نوايا التصويت لدى البريطانيين بنسبة 27 في المائة، متقدما على “ريفورم يو كاي” الذي حل ثانيا بنسبة 23 في المائة.
وعلى المستوى الشخصي، يظل بورنهام، وفقا لدراسة أعدتها صحيفة “ذا تايمز”، استنادا إلى عدد من استطلاعات الرأي الحديثة، أكثر شعبية من أسلافه المحافظين والعماليين خلال أسابيعهم الأولى في السلطة.
وبالنسبة لحزب العمال، يتجاوز الرهان مجرد الشعبية الشخصية لرئيس الوزراء. فقد تعرض الحزب لانتقادات بسبب عجزه عن شرح حصيلة عمله بشكل فعال منذ فوزه الواسع في الانتخابات التشريعية لسنة 2024.
وترى الأكاديمية روزاليند ساذرن أن تواصل بورنهام يبدو أكثر “تنسيقا وتكاملا” مقارنة بالمبادرات الرقمية السابقة لحزب العمال. وتقوم طريقته على فكرة بسيطة مفادها أن المحتوى الخفيف يجذب الانتباه، ويفتح المجال بعد ذلك لتمرير رسائل أكثر جدية.
ومن خلال التعاون مع صناع المحتوى، ومقاطع الفيديو حول كرة القدم، والنقاشات بشأن النقل أو التشغيل، فضلا عن الإعلانات الحكومية وحصيلة أسابيعه الأولى في السلطة، يعمل بورنهام أيضا على تكييف محتواه مع خصوصيات كل منصة، بحسب ساذرن.
غير أن هذه الاستراتيجية تظل هشة، بحسب المحللين، الذين يرون أن بورنهام يستفيد، في الوقت الراهن، من “هامش الثقة” الذي يرافق البدايات، مؤكدين أن الشعبية الرقمية لن تكون بديلا عن النمو الاقتصادي، أو تحسين مستوى المعيشة، أو تحقيق نتائج ملموسة في الخدمات العامة.
ويرى المحلل كيران بيدلي أن الاختبار الحقيقي سيأتي عندما تبدأ “الصعوبات” في الظهور.
وهكذا، يكون بورنهام قد كسب بالفعل معركة أولى؛ هي معركة جذب الانتباه. ويبقى عليه الآن تحويل ملايين المشاهدات إلى ثقة مستدامة، والإعجابات إلى أصوات في صناديق الاقتراع، بحسب المحلل ذاته.



