أخر الأخبارالمجتمع

“ميدان سيدي برني لتربية خيول الرياضة”: حين يلتقي الشغف بالطموح لإنتاج “جواد مغربي” يتألق عالميا

دبريس

غير بعيد عن مدينة الرباط، يمتد مجال “سيدي برني لتربية خيول الرياضة” على مساحة تناهز 2000 هكتار. فضاء لا يقاس بمساحته فحسب، بل بحجم الطموحات التي يطلق لها العنان يوميا لإنتاج “جواد مغربي” قادر على المنافسة في كبريات المحافل الدولية.

ويعد هذا الموقع، الذي أنشأته الجامعة الملكية المغربية لرياضة الفروسية سنة 1985، المزود الأساسي لخيول الرياضة بالمملكة، بفضل المجهودات المتواصلة لانتقاء أجودها وتجويد خصائصها التقنية والبدنية.

هذا التوجه رسخ مصداقية الضيعة في تطوير “فرس مغربي للرياضة”، معترف به في سجل النسب الدولي (ستاد بوك) التابع للفيدرالية العالمية لتربية خيول الرياضة، وهو اعتراف يكرس ريادة المغرب قاريا ودخوله حلبة المنافسة العالمية، بفضل كفاءة وطنية أثبتت قدرتها على مضاهاة أعرق المدارس الدولية وتحويل الخيول المغربية إلى علامة جودة عابرة للقارات.

وفي إطار هذا التوجه الاستراتيجي، يتولى السيد سعد بنصالح إدارة هذا الصرح منذ فبراير 2013، مستثمرا خبرة ميدانية وتقنية واسعة في عالم الفروسية والقفز على الحواجز، للإشراف على فريق عمل ينسجم فيه طموح الشباب وحكمة الكبار، في إطار “عائلة واحدة” يؤمن أفرادها بأن تربية الخيول مدرسة لتعلم قيم التواضع والصبر والعمل المتقن.

وفي هذا السياق يقول السيد بنصالح في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء “تم إنشاء ميدان سيدي برني من طرف المغفور لها صاحبة السمو الملكي الأميرة للا آمنة سنة 1985، لإنتاج جواد مغربي للرياضة موجه للفرسان المغاربة.”

وأضاف “ومنذ سنة 2013، وتحت رئاسة الشريف مولاي عبد الله العلوي، رئيس الجامعة الملكية المغربية للفروسية، نعمل على تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية، حيث ننتج سنويا ما يقارب 30 حصانا مخصصة للرياضة.”

“نحن 58 شخصا نعيش كجسد واحد بين الطاقم الفلاحي وطاقم التربية”، هكذا يصف المسؤول التناغم البشري داخل المجال، مضيفا “نخصص 70 هكتارا حصريا لتربية الخيول، بينما نعتمد على إنتاج ذاتي يغطي ما بين 50 و60 في المائة من احتياجاتنا من الأعلاف، وهو تحد يومي نرفعه لضمان الاستقلالية والجودة.”

ولا يتوقف الطموح في سيدي برني عند حدود الإنتاج، بل يمتد لتوفير بنية تحتية عالمية، حيث يؤكد السيد بنصالح أن الموقع يضم مرافق رعوية متطورة من أبرزها حظيرات فسيحة، واسطبلات مخصصة للولادة، واسطبلات للمهور المفطومة، وميادين للقفز والترويض، وآلة مشي ميكانيكية، مع توفير خدمات لوجستية حيوية كورشة للحدادة البيطرية.

كما يتوفر الموقع على شبكة مسارات مذهلة تمتد لـ 117 كيلومترا لممارسة رياضة التحمل، مما يشكل منظومة مندمجة تجمع بين كفاءة الإنتاج واحترافية التجهيز.

وعن المسابقات الرياضية يقول بنصالح إن “حلبة ميدان سيدي برني هي مسرح دائم للمنافسات، فنحن ننظم بطولات المغرب للتحمل، ولترويض الخيول، وللقفز على الحواجز. كما بدأنا إدخال تخصصات جديدة مثل رياضة التقاط الأوتاد”.

وفي وقفة اعتراف بخيول صنعت المجد، يضيف “أنتجنا خيولا متميزة مثل ‘كيرجاك’ ، و ‘فولوبيلس’، و’رباط’، و’روسينيول’. لدينا حوالي 20 حصانا اقتحمت الساحة الأوروبية، وهو ما توج باعتراف دولي بـ “الجواد المغربي للرياضة” في سجل النسب مما يثبت أننا نسير على الطريق الصحيح”.

ويسهر على الولادات فريق من 10 متخصصين على مدار الساعة، وفي هذا السياق يقول سليمان أحد التقنيين المتخصصين بالضيعة “السهر على الخيول ليس وظيفة، بل أمانة، نرافق المهر منذ أنفاسه الأولى لضمان ولادة سليمة وبداية حياة بطل مستقبلي”.

ويضيف في تصريح مماثل “ما يميز سيدي برني هو المتابعة ‘الميكروسكوبية’ فكل فرس لديه سجل طبي وتقني متكامل. نحن لا نترك شيئا للصدفة، من التلقيح إلى المراقبة الليلية. هذا التفاني هو سر نجاح إنتاجنا”.

ويمتد هذا التكامل ليشمل الرعاية ما بعد الولادة، حيث تخضع الخيول لمتابعة دقيقة منذ الفطام وحتى سن الثالثة قبل الترويض. ويشمل البرنامج الحدادة البيطرية والعناية بالأسنان، لضمان شريك رياضي مغربي يتمتع بالذكاء والقوة، وهي المنظومة التي تجمع بين خبرة الأرض وعلم التربية الحديث، لتثبت أن الكفاءة المغربية تنافس بقوة عالميا.

ولأن الطبيعة قاسية أحيانا، يواجه ميدان سيدي برني تحديات المناخ بذكاء، حيث تعتمد الإدارة نظام “تناوب المراعي”، لضمان استفادة الخيول من الكلأ، مما يعزز من توازنها البدني والنفسي ويمنحها صلة مباشرة بالأرض.

ولضمان تأقلم الخيول مع طبيعتها الأصلية وتعزيز توازنها البدني والنفسي، تحرص إدارة المجال على قضاء الخيول فترات طويلة في الحظيرات الفسيحة، حيث تتحرك بحرية وتعتاد تدريجيا على تقلبات الطقس وطبيعة الأرض.

إن تربية خيول الرياضة تتطلب أكثر من 10 سنوات من الصبر لرؤية النتائج، وهو تحد يرفعه الفريق، حيث يعمل الجميع بصمت وإتقان، بعيدا عن الأضواء، وبتركيز تام على إنتاج خيول للرياضة تليق باسم المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى