موسم طانطان: باحثون يقاربون آليات صون الثقافة الحسانية وتثمينها اقتصاديا

دبريس
شكل موضوع “الثقافة الحسانية: مباحث ومقاربات” محور أشغال ندوة نظمت، أمس الثلاثاء بالمركز الثقافي بطانطان، في إطار فعاليات الدورة الـ19 لموسم طانطان.
وتميز هذا اللقاء الفكري بتقديم قراءة في كتاب جماعي يحمل عنوان الندوة ذاته، صدر عن مؤسسة “ألموكار” تتويجا لجهد علمي وأكاديمي. ويوثق هذا المؤلف المداخلات والأبحاث العلمية التي ميزت الندوات الثقافية للموسم خلال دورتي 2023 و2024، في خطوة تروم تحصين التراث الحساني اللامادي والانتقال به من طابعه الشفهي المعرض للاندثار إلى التدوين العلمي.
وفي هذا السياق، قال الباحث المتخصص في التراث الحساني، بوزيد الغلى، إن هذا الإصدار الجماعي يقارب آليات صون الثقافة الحسانية وتثمينها من خلال مساهمات علمية متنوعة، تشمل الدعوة إلى بناء “معجم حساني جغرافي” لحماية المصطلحات التراثية، وإنشاء قاعدة معرفية تختزن ذاكرة المجتمع الحساني، فضلا عن دراسة الأبعاد السوسيو-اقتصادية لتعاونيات النسيج التقليدي، ومقاربة الأبعاد الفلسفية للهوية الحسانية وارتباطها الوجودي بالمكان واللسان.
واعتبر أن موسم طانطان لعب دورا بارزا في تقديم هذا الموروث للعالم، ليس كذاكرة محلية ضيقة، بل كـ”جسر تاريخي وحضاري عابر للصحراء الكبرى”، مبرزا حتمية الانتقال بالثقافة الحسانية من مرحلة الشفاهة إلى التدوين، وصولا إلى الرقمنة الشاملة في العصر الرقمي.
من جانبه، سجل الكاتب والباحث في التاريخ والتراث الصحراوي، أحمد البشير ضماني، أن كتاب “الثقافة الحسانية: مباحث ومقاربات” يسلط الضوء على جهود باحثين مغاربة وموريتانيين وأفارقة في إحياء وحماية التراث الحساني، وإبراز دور موسم طانطان في هذا الصدد.
وأكد الباحث أن الصحراء لم تكن يوما حاجزا طبيعيا، بل “صلة وصل” حقيقية بين شمال المملكة والدول الإفريقية عبر القوافل التجارية، التي لم تقتصر على نقل البضائع فحسب، بل ساهمت في نشر الأفكار والمعتقدات والطرق الصوفية، مما خلق حالة من التثاقف والتبادل الحضاري الذي يتجلى اليوم في التراث اللامادي الحساني بجميع تجلياته، من موسيقى وحلي وأدوات ترحال.
وأبرز ضماني أن المؤلف لا يقتصر على البعد المحلي، بل ينفتح على البعد الإفريقي، حيث يضم ثماني مداخلات باللغة العربية لباحثين من المغرب وموريتانيا، إلى جانب ثلاث مداخلات باللغة الفرنسية لباحثين من بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
وأوضح أن هذه المداخلات الإفريقية ركزت بالأساس على واقع تنفيذ اتفاقية اليونسكو لسنة 2003 المتعلقة بحماية التراث الثقافي غير المادي في بلدانهم، مما أضفى على الكتاب “امتدادا إفريقيا” قويا، وسمح بمقاربة قضايا حفظ وصيانة التراث اللامادي من منظور دولي ومقارن، لافتا إلى أن جهود موسم طانطان تسير في الاتجاه الصحيح وتشكل رافعة حقيقية لحماية الثقافة الحسانية.
بدورها، أبرزت الأستاذة الجامعية والباحثة في التراث، عزيزة عكيدة، أهمية تجاوز المقاربة الفلكلورية المحضة للتراث، والتوجه نحو جعله قاطرة حقيقية للتنمية ومصدرا مدرا للدخل، موضحة أن نجاح هذه المقاربة يقتضي الاستلهام من تجارب الدول المتقدمة التي نجحت في تحويل تراثها إلى رافعة اقتصادية عبر ما يسمى بـ”اقتصاديات التراث”.
وفي هذا الصدد، اقترحت الباحثة تطوير نمط “سياحة التجربة”، حيث لا يكتفي السائح بالزيارة أو المشاهدة، بل ينخرط بشكل فعلي في تفاصيل الحياة اليومية للصحراء، كالمشاركة في إعداد الشاي الحساني، والمبيت في الخيام التقليدية، وحضور جلسات الحكاية والسمر، مما يخلق قيمة مضافة تعود بالنفع المباشر على الساكنة المحلية.
كما سلطت الضوء على ضرورة تثمين اللباس التقليدي الحساني، وعلى رأسه “الملحفة” و”الدراعة”، عبر إضفاء لمسات عصرية تجعله ملائما لمتطلبات دور العرض الوطنية والدولية، مع الحفاظ على هويته وأصالته، على غرار النجاح الذي حققه القفطان المغربي.
وخلص المتدخلون، في ختام أشغال هذه الندوة، إلى رفع مجموعة من التوصيات العملية التي تشدد على حتمية إدماج التراث الحساني ضمن المخططات التنموية المحلية. ودعا المشاركون إلى تضافر جهود كافة الفاعلين، من مؤسسات عمومية ومجالس منتخبة وجمعيات المجتمع المدني، لمواصلة ورش التوثيق العلمي والبحث الأكاديمي، وتحويل هذا الزخم الثقافي إلى رافعة مستدامة للاستثمار السياحي والاقتصادي بجهة كلميم واد نون.



