ملتقى دولي بتونس يسلط الضوء على بعض مكونات التراث اللامادي المغربي

دبريس
قدم أكاديميون وباحثون مغاربة ،اليوم السبت بمدينة الحمامات التونسية، عروضا في إطار ملتقى دولي حول “الجهات والتراث الثقافي غير المادي .. الديناميات والرهانات والآفاق”، سلطوا فيها الضوء على بعض من مكونات التراث اللامادي بالمغرب لاسيما الطقوس الاحتفالية في مواسم الأضرحة والزوايا بمكناس ، والألعاب الشعبية لدى البدو الرحل.
ففي ورقة بحثية مشتركة حول “الطقوس الاحتفالية في مواسم الأضرحة والزوايا بمدينة مكناس العتيقة” أبرز الباحثان جواد أبو زيد وهشام بوردي بعض خصوصيات علاقة المجتمع المكناسي بالأولياء والزوايا عبر مراحل تاريخية متعاقبة والتي تتجلى في اتساع جغرافية المقدس واكتساحه لفضاء المدينة.
وذكرا بأن مدينة مكناس تحفل بعدد من المزارات وأضرحة الأولياء الصالحين بالإضافة إلى زوايا طرق مختلفة والتي انتشرت منذ الفترة المرينية في كل أرجاء المدينة، مستمدة إشعاعها من القيمة الروحية التي تحظى بها في ذهنية السكان بشكل متوارث يطبعه التبجيل .
وسجل الأكاديميان أن المدينة معروفة بمواسم أوليائها (الزاوية العلمية ووليها الشهير الشيخ الكامل والزاوية العيساوية …)، حيث تشكل أذكار عيساوة وسماع درقاوة وموسيقى الطوائف الصوفية مع مختلف تجياتها ( طقوس عادات،أزياء ..)جزء من التراث اللامادي.
وأكد السيدان جواد أبو زيد وهو أستاذ بجامعة المولى إسماعيل بمكناس، وهشام بوردي (أستاذ بالأكاديمية الجهوية للتربية فاس – مكناس) أنه على الرغم من بعض التحديات التي باتت تشكل تهديدا حقيقيا على استمرارية هذا المكون التراثي في أداء وظائفه المختلفة جراء ما أصابه من تراجع على عدة مستويات، إلا أنه لا يزال يحظى باقبال ملموس من طرف الساكنة المحلية.
وأشارا إلى أن المدينة العتيقة لمكناس تتحول خلال مواسمها الشهيرة إلى فضاء خصب للممارسات الطقوسية والفرجوية في شكل ظاهرة حضارية غنية بدلالتها الرمزية وبما تستتبعه من تنشيط لدواليب الحياة الاقتصادية وتمتين للروابط الاجتماعية وإغناء للذاكرة الثقافية .
وفي معرض حديثهما عن الاحتفالات التي تعرفها بعض الأضرحة والزوايا في المدينة ، أبرز الأكاديميان أن اللباس المخصوص والمشاهد الحركية والنغمات الموسيقية والأذكار تعد من أبرز مظاهر هذه الاحتفالات ، تنضاف إليها حلقات السماع وأجواء الجذبة والحضرة ، التي قد تمتد إلى “تعذيب الذات” .
من جانبه تطرق الباحث في الثقافة الشعبية الشرقاوي حم ، في عرض بعنوان “الألعاب الشعبية في تراث البدو الرحل بالجنوب المغربي ” ، للدلالات الرمزية العميقة للألعاب الشعبية ، مشيرا إلى أن هذه الألعاب تساعد البدو الرحل على تأسيس علاقة خاصة بينهم وبين محيطهم ، وعلى تحويل بعض تفاصيل المجال ليجعلوا منه ترجمة ذاتية لواقعهم ، فضلا عن بناء منطق خاص بهم لتنظيم الأحداث والوقائع التي يعيشونها هم أنفسهم .
وسجل أن لحياة البدو الرحل المنفتحة على القفار والفيافي والبيداء القاحلة وعلى كل ما يجوس فيها من كائنات حية أليفة ومفترسة، وقع كبير على نفسية وشخصية هؤلاء الرحل وعلى تراث ألعابهم الشعبية الموشومة بإيحاءات رمزية تترجم نمط عيشهم وتفاعلهم مع محيطهم .
وبعد أن أكد على دور الألعاب الشعبية في نشر قيم الشجاعة والعزم والمروءة وتنمية القدرات الذهنية والعقلية والجسدية لدى البدو الرحل ، اعتبر أن تنوع هذه الألعاب يساهم في إغناء التراث الشعبي لدى هؤلاء الرحل ويجعل منه جسرا للتواصل بين الأجيال بما يضمن بقاءه واستمراريته.
وقال إن الألعاب الشعبية تتنوع لدى البدو الرحل حسب السياق الزمني والمكاني للعبة ، وعدد المشاركين فيها والمغزى منها ، وما إذا كانت رجالية أم نسائية أو مشتركة بينهما ، مستعرضا في هذا الصدد بعضا من هذه الألعاب ومنها “لعبة أراح” و”لعبة أكبيبة” و”لعبة مرياس” و”لعبة قاش” و”لعبة أردوخ” و”لعبة اللز – سباق الهجن” و”لعبة ليزار” و”لعبة الدكريشة”.
وبحسب المنظمين ، فإن الملتقى الدولي حول “الجهات والتراث الثقافي غير المادي .. الديناميات والرهانات والآفاق” الذي اختتمت فعالياته اليوم يشكل مناسبة لتسليط الضوء على دور الجهات في صون التراث الثقافي غير المادي، واستكشاف الديناميات الجديدة لحمايته وتثمينه على المستويات المحلية والدولية.
وتميزت أشغال الملتقى بتقديم مجموعة من المحاضرات لأكاديميين ومختصين من عدة بلدان ، تقارب أساسا الإطار المفاهيمي والنظري للتراث الثقافي غير المادي ، وعلاقة التراث غير المادي بالهوية المحلية والجهوية، وتجليات التراث غير المادي في الجهات من خلال دراسة العادات والتقاليد و الفنون الشعبية و اللهجات، فضلا عن البحث في ديناميات التحول والتجديد في التراث غير المادي بالجهات وفي التحولات الاجتماعية وانعكاسها على الممارسات التراثية.



