فن و ثقافة

“المحلية ليست عائقا أمام عالمية خطابنا السينمائي”

دبريس

يرى المخرج المصري محمد رشاد صاحب فيلم “المستعمرة” أن المحلية لا تشكل عائقا أمام الوصول إلى جمهور خارج الحدود وتحقيق “عالمية خطابنا السينمائي”، معتبرا أن “العالم يبتغي التعرف علينا بطريقتنا ولغتنا، وليس باستنساخ طريقته”.

بهذه القناعة يخوض رشاد تجربته السينمائية، منطلقا من الأحياء الشعبية والطبقات الهامشية والقصص المنسية، دون أن يشعر بأي تناقض بين الانتماء إلى الواقع المحلي وبين مخاطبة الإنسان أينما كان. فبالنسبة إليه، لا يمكن للسينما أن تكتسب صدقها إلا حين تنبع من بيئتها الخاصة، ومن تفاصيل الناس الذين تصنع حكاياتهم.

ويرى المخرج المصري الذي يشارك فيلمه ضمن مسابقة الأفلام الطويلة للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة أن السينما المصرية تعرف اليوم مرحلة تتسم بتعدد الأصوات والرؤى، بعد سنوات من هيمنة أنماط محددة من الإنتاج. فإلى جانب السينما التجارية التي ظلت حاضرة باستمرار، برزت تجارب جديدة يقودها مخرجون يشتغل كل واحد منهم وفق لغته، بين الواقعية والدراما والكوميديا وسينما التشويق، وهو ما يعتبره مؤشرا على حيوية المشهد السينمائي المصري وقدرته على التجدد.

ومع ذلك، لا يدعي محمد رشاد في حديثه لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن السينما قادرة على اختزال مجتمع بحجم مصر مثلا داخل فيلم واحد. فالمجتمع المصري، كما يصفه، واسع ومتنوع إلى درجة تجعل أي عمل سينمائي يكتفي بتمثيل جزء منه أو شريحة من شرائحه. والأهم بالنسبة إليه ليس ادعاء تمثيل المجتمع بأكمله، بل تقديم صورة صادقة عن العالم الذي يتناوله الفيلم.

هذه الرؤية تنعكس بوضوح في فيلمه “المستعمرة”، الذي يعد أول أفلامه الروائية الطويلة. فالعمل يستند على قصة أخوين يعيشان في حي عمالي في الإسكندرية، وبعد الوفاة المفاجئة لوالدهما في حادثة شغل، يعرض عليهما المصنع المحلي شغلا كتعويض على هذا الفقد، شريطة التنازل عن أي ملاحقة قانونية. يلتحق الشقيقان بالمصنع ويحاولان التأقلم مع ظروف الشغل، وتدريجيا تبدأ الشكوك تتسرب إليهما فيما يخص وفاة والدهما.

في “المستعمرة”، لا يكتفي محمد رشاد بالوقوف عند هذه الواقعة، لكنه يجعل منها مدخلا لقراءة عالم كامل يعيش على هامش المدينة، مشرحا أمام المشاهد شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية، التي تجمع العمل بالحاجة والحداد، والفقد والإذعان.

ومن خلال هذا المسار، يلتقط الفيلم تفاصيل حياة شريحة لا تجد دائما مكانها في الواجهة، طارحا أسئلة صامتة عن الطفولة، والعدل، والإرث الثقيل الذي يخلفه رحيل الأب داخل الأسر الفقيرة.

ويستند هذا الشريط في الوقت نفسه إلى تجارب عاشها المخرج شخصيا وأخرى استقاها من الواقع المحيط به. نشأته في الإسكندرية وسط بيئة عمالية، وذكرياته مع والده العامل، ومشاهدته المبكرة لمشاكل المصانع، كلها عناصر تسربت إلى الفيلم. كما استلهم جزءا من حكايته من قصة حقيقية لرجل فقد والده في حادث شغل، قبل أن تعرض عليه الشركة العمل مكانه مقابل عدم متابعتها قضائيا.

بالنسبة لرشاد، فإن السينما لا تنفصل عن الحياة، لأنها نتاج لما يعيشه الإنسان وما يراه لدى الآخرين في الآن نفسه. لذلك لا يتردد في الاعتراف بأن أفلامه تقع عند نقطة التقاء التجربة الذاتية بالواقع الاجتماعي.

وفي حديثه عن السينما الإفريقية، يبدي المخرج المصري تقديرا واضحا لما شاهده من أعمال قادمة من القارة، رغم محدودية فرص الاطلاع عليها داخل مصر بسبب ضعف قنوات التوزيع، معتبرا أن التحدي الأكبر للسينما الإفريقية يتعلق بإيصال الأفلام إلى جمهورها داخل القارة نفسها.

ومن هذا المنطلق، يدعو إلى تعزيز تداول الأفلام الإفريقية بين بلدان القارة، حتى تتمكن الشعوب الإفريقية من مشاهدة قصص بعضها البعض، كي لا تظل رهينة دوائر عرض محدود داخل فضائها الثقافي. ويقول في هذا السياق إن القضايا التي تشغل المجتمعات الإفريقية متقاربة إلى حد بعيد، وهو ما يجعل بناء جمهور إفريقي قوي أمرا ضروريا.

ولا يفصل رشاد بين البعد الفني والبعد الاجتماعي في السينما. فالفيلم، في نظره، وسيلة للتعبير الفني كما أنه أداة لإحداث أثر داخل المجتمع. ويؤمن بأن المشاهد حين يتماهى مع أزمة شخصية ما أو يضع نفسه مكانها، يبدأ في مساءلة أفكاره ومواقفه، وهنا تحديدا يبدأ التغيير.

ومع ذلك، لا يعتقد أن دور السينمائي يتمثل في تقديم الحلول أو الأجوبة الجاهزة. قيمة الفيلم تكمن في قدرته على طرح الأسئلة. فالسؤال، بالنسبة إليه، هو ما يدفع المتفرج إلى التفكير في واقعه وفي الخيارات التي كان سيتخذها لو وجد نفسه داخل موقف البطل. وربما لهذا السبب تحديدا يصف رشاد أسلوبه الإخراجي بالواقعي، ينطلق من الواقع ويعود إليه، ويجعل من الإنسان العادي، بتناقضاته وهشاشته وأسئلته، محور الحكاية السينمائية.

وبينما يستحضر أسماء كبيرة أثرت في مساره، من يوسف شاهين، وتوفيق صالح، وصلاح أبو سيف، ومحمد خان، وعاطف الطيب، إلى مايك لي، وفيتوريو دي سيكا، ونوري بيلجي جيلان، يظل الهاجس الأساسي لمحمد رشاد هو البحث عن حكايات تنتمي إلى الناس الذين يعرفهم، وإلى الأمكنة التي عاش فيها، وإلى الأسئلة التي لم يتوقف الواقع عن طرحها.

يذكر أن محمد رشاد تخرج من مدرسة السينما بمركز الجزويت الثقافي في الاسكندرية عام 2003، وأخرج فيلمين روائيين قصيرين، “من بعيد” و “مكسيم”، والفيلم الوثائقي الطويل “النسور الصغيرة ” عام 2016 الذي عرض لأول مرة في مهرجان دبي السينمائي الدولي، وحاز على جوائز عدة، كما أنتج الفيلمين الوثائقيين ” الشغلة”، و”خلف حاجز اسمنتي شفاف”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى