دبريس
عاش جمهور المسرح الملكي بالرباط، مساء أمس الجمعة، على إيقاع عرض كوريغرافي استثنائي ومبهر قدمته فرقة “Dance Theatre of Harlem” العريقة، ضمن أمسية فنية جمعت بين جماليات الباليه الكلاسيكي وروح الابتكار المعاصر، وتداخلت فيها الموسيقى والرقص لتشكلا لوحات فنية منسجمة.
ومنذ اللحظات الأولى للعرض، فرض راقصو الفرقة، في أول تواجد لها بالمغرب، حضورهم على خشبة المسرح، بحركات دقيقة وانسجام لافت بين أعضاء المجموعة، في مشاهد بدت فيها الموسيقى والحركة وكأنهما لغة واحدة تنقل الأحاسيس والأفكار دون حاجة إلى كلمات.
وتوزع العرض على أربع لحظات لرفع الستار، شكلت كل واحدة منها مدخلا إلى عالم بصري وكوريغرافي مختلف، قبل أن تتوالى اللوحات في إيقاع متدرج يجمع بين الرقص الجماعي المتناظر والثنائي والفردي.
واكتست الخشبة حلة لونية متنوعة، امتزجت فيها درجات الأسود والأخضر والأزرق و البنفسجي، إذ ظهر الراقصون في أزياء سوداء ثم زرقاء وخضراء، ضمن تشكيلات جماعية اتسمت بالدقة والتناغم. وقد تماهت حركاتهم بانسجام مع الإيقاعات الراقصة لموسيقى الفانك (Funk)، وتآلفت مع أنغام آلات النفخ وإيقاعات الغيتار.
وانتقل العرض بعد ذلك إلى وصلة رقص ثنائية، ظهر فيها الراقص مرتديا اللون الأزرق، فيما توشحت زميلته اللون البنفسجي، في حوار حركي اتسم بالانسجام والتوازن، قبل أن تفسح الخشبة المجال أمام رقصة فردية أبرزت القدرات التقنية والتعبيرية لأحد أعضاء الفرقة.
وفي لوحة أخرى، عادت المجموعة إلى الرقص الجماعي، في مشاهد متتابعة بدت وكأنها تحكي قصة من خلال الحركة وحدها، حيث تداخلت التشكيلات وتغيرت مواقع الراقصين بانسيابية، بما منح كل مقطع دلالته البصرية والإيقاعية.
واختتم العرض بلوحة فنية على خلفية حمراء، رافقتها موسيقى على إيقاع البلوز، قبل أن تتوالى الحركات في مشهد ختامي جمع بين الرشاقة والدقة والإحساس، ليعيد إلى الخشبة أجواء الباليه الكلاسيكي في صياغة بصرية وموسيقية معاصرة.
وتفاعل الجمهور بحماس مع مختلف فقرات العرض، بالتصفيق وصيحات الإعجاب، خصوصا خلال المقاطع التي اتسمت فيها الحركات بسرعة لافتة ودقة وتناغم،في احتفاء فني بتنوع رقص أفراد الفرقة وانفتاحهم على تجارب موسيقية وكوريغرافية متعددة، قبل أن يسدل الستار على الأمسية بتحية خاصة من الراقصين والراقصات لجمهور تفاعل مع أدائهم كليا.
وفي كلمة بالمناسبة، أكد المدير الفني للمجموعة، روبرت غارلاند، أن وجوده في المغرب يمثل شرفا حقيقيا ولحظة استثنائية في تاريخ مسرح الرقص في هارلم، مبرزا أن فرقته حظيت بفرصة تقديم أول عرض للباليه على خشبة المسرح الملكي.
وأعرب غارلاند عن سعادته العميقة بالتواجد في المغرب، مشيرا إلى أن هذه الزيارة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة له وللفرقة، لاسيما أنها تذكره بمحطات تاريخية بارزة عاشها مسرح الرقص في هارلم، وبالفرص التي أتيحت له عبر تاريخه لتقديم عروضه في مسارح كبرى عبر العالم.
وقال إن ما يميز المسرح الملكي بالرباط، لا يقتصر على هندسته المعمارية التي وصفها “بالرائعة”، بل يمتد إلى روحه ودفئه.
ويشكل هذا الموعد الفني أول ظهور لفرقة “Dance Theatre of Harlem” بالمغرب، كما يسجل عودتها إلى القارة الإفريقية بعد أكثر من ثلاثين عاما على آخر زيارة لها، في محطة تندرج ضمن موسمها الدولي 2026-2027.
وتأسست الفرقة في نيويورك سنة 1969 على يد آرثر ميتشل، أول راقص أسود يتولى موقع الراقص الرئيسي في New York City Ballet قبل أن تتحول من مشروع بدأ كمدرسة للرقص بحي هارلم إلى واحدة من أبرز الفرق الكوريغرافية العالمية.
وباحتضان هذا العرض، يواصل المسرح الملكي بالرباط الذي يندرج ضمن الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس الرامية إلى تعزيز الإشعاع الثقافي للمملكة ترسيخ حضوره كفضاء جديد للعروض الفنية الكبرى، بفضل خطوطه المستوحاة من انسيابية أبي رقراق وقاعته التي تتسع لأكثر من 1800 مقعد، والمصممة لاستقبال عروض الأوبرا والباليه والمسرح والإنتاجات الموسيقية الكبرى.
