DPress.ma

بناء مجتمع أكثر نزاهة يبدأ من بناء الإنسان وترسيخ منظومة القيم

دبريس

أكد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محمد بنعليلو، اليوم الاثنين بالرباط، أن الرهان الحقيقي في مجال مكافحة الفساد يبدأ من بناء الإنسان وترسيخ منظومة القيم.

وأكد السيد بنعليلو، خلال افتتاح اللقاء الوطني المخصص لتقييم المرحلة الأولى من برنامج “أجيال النزاهة”، المنظم بشراكة بين الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والذي خصص لعرض حصيلة المرحلة التجريبية للبرنامج واستشراف شروط الانتقال إلى مرحلة التعميم والاستدامة والتأطير المؤسساتي، أن الرهان الحقيقي في مجال مكافحة الفساد لا يقتصر على تطوير التشريعات أو تعزيز أجهزة الرقابة وإنفاذ القانون، وإنما يبدأ، قبل ذلك، من بناء الإنسان وترسيخ منظومة القيم التي تشكل أساس السلوك الفردي والجماعي داخل المجتمع.

وأوضح رئيس الهيئة أن التجارب الوطنية والدولية أثبتت أن بناء مجتمعات أكثر نزاهة لا يتحقق فقط عبر السياسات العقابية، وإنما من خلال الاستثمار المبكر في التربية على القيم وتعزيز مناعة الأفراد الأخلاقية والمدنية، بما يمكنهم من التمييز بين السلوك المشروع وغير المشروع، ويعزز قدرتهم على الدفاع عن المصلحة العامة واحترام قواعد المواطنة والمسؤولية.

وأضاف أن النزاهة ليست مجرد قاعدة قانونية أو التزام إداري، بل هي ثقافة مجتمعية تتشكل تدريجيا داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام،قبل أن تنعكس على جودة المؤسسات ومستوى الثقة داخل المجتمع، معتبرا بذلك أن الاستثمار في التربية على النزاهة يمثل استثمارا استراتيجيا في المستقبل، وفي نوعية المواطن الذي ستعتمد عليه الدولة في تدبير الشأن العام خلال العقود المقبلة.

وأكد السيد بنعليلو أن انفتاح الهيئة على المدرسة المغربية يندرج ضمن رؤية استراتيجية تعتبر الوقاية من الفساد مسارا مجتمعيا طويل الأمد، يقوم على بناء الوعي والسلوك قبل اللجوء إلى آليات الزجر والمساءلة، مسجلا أن المدرسة تمثل أحد أهم الفضاءات القادرة على ترسيخ قيم المسؤولية والاستحقاق والشفافية والمواطنة الفاعلة.

وفي هذا السياق، أبرز أن برنامج “أجيال النزاهة” لا يقوم على مقاربة توعوية تقليدية تجعل المتعلم مجرد متلق للمعرفة، وإنما يعتمد رؤية تربوية تفاعلية تهدف إلى تحويل النزاهة من قيمة مجردة إلى ممارسة يومية وسلوك مدني ينعكس في علاقة التلميذ بمحيطه المدرسي والاجتماعي.

كما شدد على أن قوة البرنامج لا تكمن فقط في نتائجه الكمية، وإنما في الديناميات التي أطلقها داخل المؤسسات التعليمية المشاركة، وما أفرزه من مبادرات وتفاعلات ميدانية عكست قدرة الفاعلين التربويين والمتعلمين على تملك أهدافه وإعادة إنتاجها داخل محيطهم المدرسي والتربوي.

وأشار السيد بنعليلو إلى أن المرحلة الأولى من البرنامج شملت 56 مؤسسة تعليمية موزعة على ثلاث أكاديميات جهوية للتربية والتكوين، واستفاد منها ما يقارب ألفي تلميذة وتلميذ، إلى جانب 432 من الأطر التربوية والإدارية مبرزا أن نتائج التقييم أظهرت مستويات مرتفعة من التفاعل والرضى سواء لدى المتعلمين أو لدى الأطر التربوية، بما يؤكد وجاهة هذا التوجه وأهميته في تعزيز التربية على القيم داخل المنظومة التعليمية.

وأكد رئيس الهيئة أن الانتقال من مرحلة التجريب إلى مرحلة التعميم يطرح رهانات جديدة تتعلق بالحفاظ على جودة التنزيل، وضمان تماسك النموذج البيداغوجي، وتأهيل الموارد البشرية، وتأمين شروط الاستمرارية المؤسساتية، بما يجعل من التربية على النزاهة مكونا مستداما ضمن الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الثقة وترسيخ قيم المواطنة.

واعتبر السيد بنعليلو أن النزاهة ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، وإنما مسؤولية جماعية تتكامل فيها أدوار مختلف الفاعلين العموميين والتربويين والمدنيين، مؤكدا أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في بناء تحالف مجتمعي واسع يجعل من النزاهة ثقافة يومية وسلوكا اجتماعيا راسخا، لا مجرد موضوع للتوعية أو شعار ظرفي.

ودعا رئيس الهيئة إلى مواصلة تطوير هذه المبادرة المشتركة بما يمكن من تحويلها إلى رافعة وطنية مستدامة للإسهام في بناء أجيال جديدة تتشبع بقيم المسؤولية والشفافية والاستحقاق، وتسهم في بناء مؤسسات أكثر قوة وفعالية، ومجتمع أكثر ثقة في ذاته وفي مؤسساته.

وخلص السيد بنعليلو إلى أن الرهان يتجاوز حدود برنامج تربوي أو مشروع مؤسساتي، ليطال صورة المغرب كما أراده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وكما تتطلع إليه الأجيال القادمة؛ مغرب تصان فيه الثقة باعتبارها رأسمال جماعيا، وتمارس فيه المواطنة المسؤولة، وتتحول فيه النزاهة إلى ممارسة يومية داخل الإدارة والمقاولة والفضاء العام.

Exit mobile version