DPress.ma

اليوم الوطني للمرأة: من تعزيز المكتسبات إلى ترسيخ التأثير الفعلي

دبريس

على مدى عقود، بصمت المرأة المغربية على مسار متطور يروم النهوض بوضعيتها على كافة الأصعدة، وتمكينها من حضور أقوى في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما مهد السبيل أمامها للانتقال من مرحلة الترافع من أجل التمكين إلى ترسيخ واقع يضمن لها تأثيرا فعليا في مختلف مناحي الحياة.

فقد استطاعت المرأة المغربية، بما راكمته من مكتسبات طيلة عقود متواصلة، تحقيق حضور قوي ومساهمة فعالة، سواء على المستويين الاقتصادي والاجتماعي أو على المستوى السياسي؛ كما يعكس ذلك وصولها الفعلي إلى مراكز متقدمة في صنع القرار، كثمرة سعي حثيث من أجل انتزاع المكانة التي تليق بها وتقويض تصورات مجتمعية نمطية طالما قيدت أدوارها.

وتحتفي المرأة المغربية بيومها الوطني، هذه السنة، في سياق يكتسي رمزية خاصة؛ إذ يتزامن مع تعيين صاحب الجلالة الملك محمد السادس للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح بذلك أول امرأة تحظى بهذا المنصب في تاريخ المملكة.

كما يشكل الاحتفال بهذا اليوم، الذي يخلد في 10 أكتوبر من كل عام، محطة للوقوف على التحديات التي تواجهها النساء في مجال النهوض بأوضاعهن، وترسيخ مكانتهن ضمن منظومة مجتمعية تتقدم بمكونيها، رجالا ونساء.

يستند هذا التطور الذي تشهده وضعية المرأة في المغرب إلى المكتسبات التي راكمتها المملكة على مدى عقود؛ إذ يتوج مسارا طويلا من الإصلاحات الدستورية والقانونية والمؤسساتية الرامية إلى حماية حقوق النساء وتعزيز تمكينهن في مختلف المجالات.

وتجد هذه الدينامية سندها المرجعي المباشر في المقتضيات الواردة في دستور سنة 2011؛ حيث كرست ديباجته التزام المملكة بحظر ومكافحة جميع أشكال التمييز، لاسيما القائم على أساس الجنس، ونص الفصل السادس على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنين والمواطنات والمساواة بينهم ومشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. كما نصت مقتضيات الفصل 19 على أن تسعى الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء.

ولحماية المرأة من كافة أشكال العنف، عزز المغرب إطاره القانوني من خلال اعتماد قانون يروم محاربة العنف ضد النساء، بأبعاده الوقائية والحمائية والزجرية إلى جانب ضمانه التكفل بالنساء ضحايا العنف.

وبعد حوالي عقدين على اعتماد مدونة الأسرة، وبإرادة ملكية سامية تجسد العناية التي ما فتئ يوليها جلالة الملك للنهوض بقضايا المرأة والأسرة بشكل عام، جاء ورش مراجعة هذه المدونة من أجل مسايرة التحولات التي يعرفها المجتمع على كافة المستويات.

وضمانا لمشاركة فاعلة للنساء في الحياة العامة، أثمرت مستجدات المنظومة الانتخابية المؤطرة للانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر المنصرم، منحى تصاعديا في تمثيلية النساء في مجلس النواب، إذ بلغ عدد البرلمانيات 107 نائبات من أصل 395 عضوا، أي ما يشكل نحو 27,1 في المائة من مجموع أعضاء المجلس، مقارنة بـ96 برلمانية خلال الولاية التشريعية المنتهية.

من جانبه، أورد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الصادر هذا العام، أن مشاركة الفتيات والنساء في النظام التعليمي شهدت توسعا غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس دينامية إيجابية نحو تحقيق المناصفة في الولوج إلى التعليم، مبرزا أن وتيرة التحاقهن بالتعليم العالي عرفت تطورا أسرع، مقارنة بالرجال، خلال السنوات الأخيرة، ما ساهم في تقليص الفجوة بين الجنسين، رغم استمرار تفاوتات مرتبطة بأنماط الولوج وبمستويات التكوين.

وعلى صعيد متصل، أظهرت نتائج البحث الوطني حول التشغيل للمندوبية السامية للتخطيط، أن معدل النشاط الاقتصادي للنساء الحاصلات على شهادة عليا بلغ في 2025، نسبة 45,4 في المائة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف معدل النساء ذوات المستوى المتوسط (12,8 في المائة) أو النساء دون شهادة (14,4 في المائة).

وفي هذا الصدد، أكد الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، سعيد عادل، ضرورة الانتقال بالمرأة المغربية من كونها موضوعا للسياسات العمومية إلى جعلها فاعلا مؤثرا في صناعة السياسات العمومية التمكينية، بل وفي اتخاذ القرارات العمومية ذات التأثير.

وأكد الباحث، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، الحاجة إلى تنزيل برامج تنموية لفائدة المرأة، تعضد المكتسبات التي تمت مراكمتها وتساهم في تجاوز الإكراهات التي ما تزال مطروحة في مجال تمكين النساء.

وتطرق المتحدث إلى طبيعة التحديات السوسيو-ثقافية والاقتصادية التي لا تزال تواجه هذه الفئة، مضيفا أن المنظومة القانونية والمؤسساتية المغربية شهدت دينامية ملحوظة.

كما أن تعزيز حضور المرأة في مواقع المسؤولية وصنع القرار يقتضي إعمال مفهوم “كسر السقف الزجاجي”، بما يمثله من حواجز مجتمعية ونفسية قد تحول دون وصول النساء إلى مواقع القيادة، وهو ما يجعل تجاوز هذه الحواجز جزءا من مسار أوسع لتغيير التمثلات المجتمعية المرتبطة بدور المرأة وقدرتها على تحمل المسؤولية.

وفي هذا السياق، أبرز أستاذ علم الاجتماع، محسن بنزاكور، أن تمكين المرأة المغربية بدأ منذ مدة طويلة، مستدلا في ذلك بحضورها في مختلف المجالات، من الطب والطيران والهندسة والتعليم إلى الاقتصاد والسياسة. وأكد في هذا السياق أن المرأة استطاعت إثبات كفاءتها وقدرتها على تحمل المسؤولية والوصول إلى مستويات متقدمة في التدبير وصناعة القرار.

واعتبر، في تصريح مماثل، أن تغيير العقليات التي لا تؤمن بوجاهة مساواة المرأة بالرجل يحتاج إلى وقت، في ظل الصراع بين التمثلات التقليدية والواقع الملموس الذي تفرضه ممارسة المرأة لأدوارها وقدرتها على التدبير والتسيير.

على أن ما تحقق في مسار تمكين النساء بالمغرب بشكل عام لا يمثل نهاية الطريق، بقدر ما يبقي الباب مفتوحا أمام مرحلة جديدة تطمح من خلالها النساء المغربيات إلى البناء على ما تحقق وتعزيز المكتسبات، بما يضمن ترسيخ فعلية مبادئ المساواة والمناصفة.

Exit mobile version