دبريس
إزاء تحديات مستقبلية معقدة وتنامي حالة اللايقين في اتخاذ الخيارات الوطنية، يؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي سليمان جودة أن صناعة القرار في البلدان العربية باتت اليوم، في حاجة ماسة إلى إنتاج نوعي وعالي الجودة للمعرفة الاستراتيجية يضيء ساحة القرارات والسياسات الحيوية.
وأكد جودة، الذي يشارك في فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي الذي ناقشت ندوته الرئيسية مستقبل العالم العربي في أفق 2030، أن مراكز التفكير ليست ترفا أو “صيحة مستوردة” بل ضرورة حيوية لإضاءة الطريق أمام متخذ القرار وصانع السياسات في العواصم العربية، في سياق إقليمي ودولي ملبد بالغيوم وأفق يغشاه الضباب.
صانع القرار، يقول المحلل السياسي في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، بحاجة إلى أدوات ومؤشرات لاستكشاف حدود المستقبل واستشراف مآلاته، وهي مهمة يتزايد تعقيدها بتداخل المتغيرات وتسارعها، مما يحتم الاستناد على خبرات وعقول متعددة التخصصات، تعبد الطريق وتعزز الخيارات.
وينبه سليمان جودة إلى أن كتابة سيناريوهات للمستقبل لم تعد تقتصر على تحديد أفق منظور، بل يتطلب الأمر توقعات متكيفة ومرنة متدرجة تدمج أجندات مختلفة، حتى أن 2030 تبدو كأنها تحل غدا، والوضع يتطلب أن تكون السيناريوهات جاهزة لأفق 2040 و 2050 و 2060 إلى آخر هذا القرن. إنها مهمة استشرافية لا تقف عند العمر الطبيعي لصانع المخطط بل تبني بيئة لأجيال الغد.
وقال إن قضايا عديدة كانت قطاعية تتم معالجتها بشكل منفرد، ثم اكتست طابعا استراتيجيا بعيد المدى، بحيث أصبح صانع القرار في حاجة إلى أن يحشد كل القوى الفكرية الوطنية لتبين المعالم التي سينبثق منها المستقبل ويشتغل على إنتاج مخططات وتقديرات وطنية تنضج من بيئتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لا مفروضة أو مستنسخة من الخارج.
وشدد سليمان جودة، الذي ينشر أعمدته ومقالاته في “المصري اليوم” و “الشرق الأوسط” وغيرهما، على أن الخبرات العلمية التي تحتاجها مراكز التفكير في المنطقة العربية تتسم بطبيعتها بالتنوع والاختلاف وتكامل المعارف، لأن المستقبل في هذه المحطة من التاريخ السياسي للعالم تشكله مفاعيل متضافرة ومتبادلة التأثير، من عوامل سياسية واقتصادية وديموغرافية وبيئية وثقافية وغيرها.
ويرى أن هناك قضية محورية تحسم فعالية وجودة أداء مراكز التفكير الاستراتيجي، وهي قضية التعليم. فصانع القرار في أي بلد عربي لن يتمكن من اكتساب الخبرات اللازمة ما لم يتوفر تعليم عالي الجودة، يتيح إنجاب خبرات قادرة على تفكيك وقراءة التحولات واقتراح سبل إدارتها، بما يبدد الضباب عن الذي يعوق بلورة رؤية مستقبلية واضحة. مستوى التعليم، في نظر المحلل السياسي، ليس مجرد عامل جودة في مستوى الخبرة الاستراتيجية المنتجة بل أيضا ضمانة ارتباط التصورات الاستشرافية بالحاجيات الحقيقية للوطن وتطلعاته في نظامه الإقليمي والدولي.
ومن موقع محلل يجمع الكتابة السياسية المعمقة والتواصل الواسع مع الجمهور عبر القنوات الفضائية التي يطل منها بانتظام، يرى سليمان جودة أن قيمة الخبرة العلمية لا تتحقق بإنتاجها فقط، بل بتداولها لدى شرائح واسعة، في إطار ما سماه “صناعة الوعي”؛ تلك القيمة الضرورية التي لا يمكن أن تترسخ في المجتمع إلا من خلال حضور أهل الفكر والرأي عبر منابر الإعلام المختلفة. فبهذه المعرفة المشاعة حول واقع البلدان وتحدياتها واختياراتها الداخلية والإقليمية والدولية، يتأتى رفع وعي الشعوب؛ وبناء مجتمعات معبأة لمواكبة أداء مؤسساتها، تشكل ظهيراً وطنياً قوياً وسنداً متيناً لأي بلد ولصانعي القرار فيه.
ويلاحظ الكاتب الصحفي أن مراكز التفكير في العواصم العالمية الكبرى تنشط في مساحة واسعة، تحمل صانع القرار على الإنصات إلى أدبياتها، وهو “طريق ما أحوجنا في العالم العربي إلى أن نسير عليه”. ذلك أن تأمل السياسات الأمريكية المتعاقبة، على سبيل المثال، يكشف أن خطاطاتها ومنطلقاتها العلمية والاستشرافية صُنعت في مراكز التفكير قبل أن تدخل مكاتب الإدارة التنفيذية، مع توخي طابع الاستمرارية، بغض النظر عن تعاقب الحكومات.
وخلص سليمان جودة، الذي اعتاد المشاركة في دورات موسم أصيلة الثقافي الدولي، إلى أن مداولات أصيلة تكرس، سنة بعد أخرى، أهمية الاعتماد على عطاءات الفكر الاستراتيجي للتخفيف من وطأة الغموض والضبابية وتفكيك الطابع المركب للإشكاليات المطروحة على الصعيدين الداخلي والدولي على السواء.
