دبريس
عند نهاية كل ولاية تشريعية، تقوم الفرق والمجموعات النيابية، أغلبية ومعارضة، بعرض حصيلة أدائها سواء على مستوى التشريع أو مراقبة العمل الحكومي، غير أن نوابا اختاروا تقديمها بشكل فردي من خلال نشرها على مختلف المنصات الرقمية والتواصل بشأنها.
ويرى عدد من النواب أن تقديم الحصيلة الفردية خطوة تتجاوز توثيق المنجز إلى فتح نقاش أوسع مع المواطنين يجسد القرب من تطلعاتهم ويعزز الثقة في المؤسسة التشريعية.
وبحسب النائبة حورية ديدي، فإن تقديم حصيلة الولاية التشريعية بشكل فردي يستمد ضرورته من طبيعة العلاقة التي تنشأ بين المرشح والناخب، موضحة أن البرلماني يتقدم إلى المواطنين ببرنامج انتخابي والتزامات واضحة، وهو ما يؤسس، بعد نيله ثقتهم، لعلاقة تعاقدية تعتبرها “عهدا” أكثر منها مجرد التزام سياسي.
ومن هذا المنطلق، تضيف النائبة، عضو فريق الأصالة والمعاصرة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن النائب يصبح في نهاية ولايته ملزما بالعودة إلى المواطنين ليعرض ما أنجزه في إطار المهام التمثيلية التي أوكلت إليه، مؤكدة أن تقديم الحصيلة يعتبر محطة لتقييم تجربته والوقوف على ما تحقق خلالها.
وأضافت أن ترسيخ هذه الممارسة ينسجم مع مبادئ الحكامة وحسن التدبير وثقافة النتائج، عبر جعل تقييم الأداء جزءا من الممارسة البرلمانية وليس مبادرة ظرفية.
من جانبه، اعتبر النائب عمر الأزرق أن الناخب “حين يمنح ثقته لمرشح ما فإنه ينتظر منه الترافع عن قضاياه المحلية والمباشرة داخل البرلمان وممارسة دوره في مراقبة العمل الحكومي، وهو ما يجعل تقديم الحصيلة تجسيدا لهذا الالتزام تجاه من منحوه أصواتهم”.
ويؤكد الأزرق، عضو فريق التجمع الوطني للأحرار، في تصريح مماثل، أن المواطن ينشغل أكثر بأثر العمل البرلماني على حياته اليومية في شتى المجالات، معتبرا أن نجاح النائب في إثارة القضايا الأساسية بالمؤسسة التشريعية يمنح المواطن شعورا بأن هناك من يهتم بمصالحه.
في المقابل، يرى الأزرق أن غياب تقديم الحصيلة لدى بعض النواب يعود إلى أسباب متعددة، من بينها وجود منتخبين “لا يولون أهمية كبيرة للتواصل مع المواطنين”، فضلا عن ضعف ثقافة التواصل لدى آخرين، فيما قد يرتبط الأمر، في حالات أخرى، بضعف الحصيلة نفسها.
أما النائبة الباتول أبلاضي فتنظر إلى تقديم النائب لحصيلته في نهاية ولايته باعتباره التزاما متعدد الأبعاد، يجمع بين البعد الأخلاقي والسياسي والتنظيمي بهدف ترسيخ الثقة في العمل السياسي.
وتوضح أبلاضي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن البعد الأخلاقي للحصيلة يتمثل في العودة إلى المواطن الذي منح ثقته للنائب، فيما يتجسد البعد السياسي في تمكين الناخب من تقييم أداء ممثله.
أما على المستوى التنظيمي، فتعتبر أن تقديم الحصيلة يندرج ضمن ثقافة حزبية تقوم على التواصل المستمر مع المناضلين والمواطنين، إلى جانب كونها عملية توثيقية يمكن أن تشكل مرجعا للباحثين والنواب اللاحقين وللنائب نفسه في تقييم أدائه.
واعتبرت النائبة أن تقديم الحصيلة البرلمانية يشكل منطلقا لمرحلة جديدة من العمل والعطاء، وفرصة لتقييم الأداء البرلماني وتجويده وتطويره، وتجديد الالتزام مع المواطنين، مؤكدة أن أهم ما تستشرفه من هذه المبادرة هو ترسيخ ثقافة الإنجاز، وتأسيس علاقة متينة ومستمرة مع المواطن طيلة الولاية التشريعية.
ومن موقع مختلف، تذهب الباحثة المتخصصة في الشأن البرلماني، مريم بليل، إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن تقديم الحصيلة البرلمانية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مبادرة اختيارية، وإنما واجبا سياسيا وأخلاقيا يترجم الالتزام الطبيعي للنائب تجاه المواطنين الذين انتخبوه.
وتوضح بليل أن التجارب الديمقراطية المقارنة لا تكتفي بتقديم حصيلة في نهاية الولاية، بل تعتمد تقارير دورية بعد كل دورة برلمانية أو سنة تشريعية، تشمل مختلف أوجه العمل البرلماني، من تشريع ورقابة وتقييم للسياسات العمومية ودبلوماسية برلمانية وتواصل مع المواطنين ووساطة وترافع محلي، بما يعزز ثقافة المساءلة.
من جهة أخرى، سجلت بليل أن التحول الرقمي سهل عملية إعداد الحصيلة ونشرها، إذ أصبح بالإمكان تقديمها عبر الفيديوهات والرسوم البيانية والمنصات الرقمية، بما يجعلها أكثر قربا من المواطنين وأكثر قدرة على تبسيط الأرقام والمعطيات المتعلقة بالأداء البرلماني.
وترى أن الرهان الحقيقي يكمن في جعل تقديم الحصيلة مدخلا لترسيخ ثقافة التقييم وتعزيز التواصل مع المواطنين وتوفير معايير موضوعية تساعدهم على تقييم ممثليهم واختيارهم على أساس الإنجاز.
وخلصت الباحثة إلى أن انتقال النقاش السياسي من منطق الخطاب والوعود إلى منطق الأرقام والحصيلة من شأنه أن يساهم في الارتقاء بالممارسة الديمقراطية، ويمنح المؤسسة البرلمانية حضورا أقوى في الوعي المجتمعي.
ومع اختتام الدورة البرلمانية الأخيرة من الولاية التشريعية، تفتح الحصيلة البرلمانية للنواب والنائبات نقاشا أوسع حول الحاجة إلى ترسيخ هذه الممارسة باعتبارها جزءا من الثقافة البرلمانية، حتى تصبح الحصيلة، مع كل نهاية ولاية، أداة لتقييم الأداء وتعزيز الثقة في المؤسسات.
