دبريس
صدر حديثا ضمن سلسلة “دفاتر الفوتوغرافيين المغاربة” كتيب يتضمن مجموعة منتقاة من أعمال الفنان الفوتوغرافي جعفر عاقيل.
ويتعلق الأمر بالعدد الأول من السلسلة التي تصدرها الجمعية المغربية للفن الفوتوغرافي بعد العدد التمهيدي الذي خصص لأعمال الفوتوغرافي الرائد محمد الشرادي (1938- 2018).
36 لوحة فوتوغرافية تتجاور في الكتاب من القطع الصغير الذي صدر على هامش المعرض الفردي الذي أقامه الفنان تحت عنوان “حطام حيوات” في ماي الماضي بمراكش، لتوجز مسارا حافلا بالتجريب في أفق إنضاج المقاربة الفوتوغرافية شكلا وموضوعا. فبين لوحات تعود إلى 2010 وأخرى من توقيع 2026 تتجلى عناوين رحلة شغف وبحث مضنية في صحبة الضوء واللون والإطار.
مشاهد منفلتة من يوميات المدن، شخوص ثبتتها العدسة في زاوية من المكان، وقرار جمالي يرتبها ويؤطرها ضمن لوحة تحقق البعد التشكيلي بقدر ما تنتج انطباعا يستدعي الذاكرة والحنين والتأمل في أعجوبة الزمن الذي يرجح ما يبقى وما يتغير.
في مكناس، أصيلة، فكيك، الرباط، باريس، آرل…وغيرها، لا يلاحق جعفر عاقيل المشهد البانورامي بقدر ما يترصد اللقطة التي تستنفر حواس المشاهد بإحالتها إلى الرمز والذاكرة والأثر والغياب والعلاقة مع المجال الطبيعي والعمراني.
يقول الناقد الفني عبد الكريم الشيكر إن أعمال الكتيب تعكس انشغالا موضوعاتيا خصبا من قبل فوتوغرافي جوال داخل البلد وخارجه في بحث دائم عن عبور داخل حطام كما هو شأن فوتوغرافيات الألبوم المعنون بـ”الدارالبيضاء باريس: تجوالات ” (2014) الحافلة بجمال البقايا الممزقة، احتفاء بالأب المتوفى.
هكذا، يضيف الناقد، تنسج روابط هادئة ومتوترة في الآن نفسه ما بين الأرشيف الفوتوغرافي والذكريات والنسيان والحضور ثم “الغياب”. فضاء زمني ثالث كموطن للعبة “ذكريات ” لا تنتهي ولا تحقق إشباعا.
يتوقف الشيكر، على سبيل المثال، عند صورة نخلتين تمتدان أفقيا وكأنهما تبطنان ظلالهما على جدار قديم شبه متهدم بمدينة فجيج (2016)، وفي مدينة آرل، حين يصور “الخبز الباريسي” النموذجي يحمله أحد المارة. يرى أن جعفر عاقيل يمنح الصورة إيقاعا موسيقيا للأشكال واللقطات والمساحات والأحجام بدون تمييز أو تسلسل هرمي. الكل يتجسد في عمل دائم يقوم على هدم التأطير ثم إعادة بنائه ثانية.
العلم الوطني، الأعمدة والأسلاك الكهربائية، النوافذ والمرايا والجدران وواجهات المحلات والأقمشة المثقوبة.. عناصر متنوعة من عوالم صغيرة تدخل ضمن “العادي” لكنها تكتسي بعدا جماليا وانطباعيا بإعادة ترتيبها وكسر نمطيتها وتأطيرها بشكل خلاق يوسع أفق تأويلها.
يلاحظ عبد الكريم الشيكر أن هناك اثنين من رفاق درب جعفر عاقيل في إطار الجمعية المغربية للفن الفوتوغرافي، يعملان بدورهما وبدرجات متباينة، في إطار هذا المنطق البحثي الشعري – العلاجي، أولهما، التهامي بنكيران الذي يصف نفسه بـ “المخرب Ruiniste”، يجوب فضاء ذاكرة وتاريخ في فاس حيث يترك الزمن وقعه على الحجارة والكائنات الحية، وثانيهما هشام بن أحود وذلك من خلال سلسلته الفوتوغرافية المعنونة بـ”الثقب” حيث يختار أسلوب الكسر والحفر بل أكثر من ذلك إحداث ثقوب في الجدران والأسقف لدرجة تصبح فيها الموديلات الفوتوغرافية المصورة القاطنة بها غريبة عن نفسها وعن مسكنها المتواضع.
يذكر أن جعفر عاقيل من مواليد 1966 بمكناس، ويدرس بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط الفوتوغرافيا الصحافية وتحليل الصورة. وهو حاصل على دكتوراه في موضوع “تحليل الصورة الإشهارية التلفزية بالمغرب: مقاربة سيميائية” (سنة 2004).
بدأ عاقيل عرض أعماله الفوتوغرافية منذ سنة 1990 بمجموعة من المحافل الفنية وقاعات العرض سواء داخل المغرب أو خارجه كالشيلي، كندا، فرنسا، جزر الكناري، إسبانيا، مالي، أوكرانيا، سوريا … الخ. وتتميز تجربته الفوتوغرافية بالبحث المستمر عن فوتوغرافيا تنصهر فيها سجلات وتقاطعات متعددة كالانشغال بفكرة الهجين والاشتغال على مسألة الموارب في الحياة اليومية وخاصة الاهتمام بقضية الذاكرة في مختلف مظاهرها الشخصية العائلية. كل ذلك بتوظيف أسلوب يجمع ما بين التوثيقي والتعبيري وباستعمال تأطيرات تتخذ شكل شذرات بصرية منجذبة نحو التجريد وتحتفي بالتفاصيل، وأيضا تتخذ من فكرة الغياب تعبيرا عن أثر ذاكرة ما.
