دبريس
الجداريات هي روح مدينة الفنون، أصيلة، تتجدد كل سنة وهي تنبع من مخيلة فنانين قادمين من كل المشارب والآفاق، فتحولها أناملهم إلى لوحات تزين جدران أصيلة على مدار العام.
لم تخلف مؤسسة منتدى أصيلة الموعد والعادة، وهي تستدعي 15 فنانا من المغرب والخارج للوفاء بطقس إبداع الجداريات بالمدينة العتيقة، والذي أرسى مبادئه الراحلان محمد بن عيسى ومحمد المليحي.
يجتمع في الدورة الصفية هذه السنة، والتي تعتبر استثنائية بالنظر لقيمة ومكانة الأسماء المشاركة، 15 فنانًا وفنانة من المغرب وسوريا وإسبانيا وبلجيكا، منهم فنانون شاركوا في السنوات الأولى من هذه التجربة المميزة إلى جانب أجيال جديدة، ومجموعة من الأطفال والشباب المبدعين من أصيلة.
تمنح هذه الجداريات روحا متجددة لأصيلة، ففي كل سنة تطبع بلمستها الجمالية الخاصة أزقة وحواري هذه المدينة الأطلسية، والتي راهنت بنجاح على الفن والثقافة كرافعة للتنمية. فكان لها ما أرادت.
في دورة هذه السنة، ثلة من الرسامين المغاربة المخضرمين الذين جددوا الوصل مع أصيلة، من بينهم عبد الكريم الوزاني، بوزيد بوعبيد، إلياس السلفاتي، مليكة أكزناي، عبد الحي الملاخ، عبد الرحمن رحول، عبد الله الحريري، عبد القادر الأعرج، عزيز السيد، محمد المرابطي، الصادق الحضري، ومحمد العنزاوي، بالإضافة الى مارتا دي بابلوس من إسبانيا، وخالد الساعي من سوريا، وشارلي كيس من بلجيكا.
بمدخل المدينة العتيقة لأصيلة، وفي جدار مركز الحسن الثاني للملتقيات، تركت الفنانة الإسبانية مارتا دي بابلوس عملا تذكاريا بالسيراميك بعنوان “من السماء”، والمستوحى من صورة جوية لمدينة أصيلة وشاطئها الأطلسي الأزرق، مع إشارة إلى أهم الأعمال الفنية والمنحوتات الموزعة على ساحات ومدارات المدينة.
تقول مارطا “بدأت في هذا العمل الرمزي منذ أكتوبر 2025، وهو تكريم لأصيلة ولمؤسس موسم أصيلة الراحل محمد بن عيسى، وقد أنجز بمساهمة مجموعة من الفنانين المحليين والمغاربة”، معربة عن سعادتها بالمشاركة في هذه الدورة وتجديد اللقاء بجمهور وسكان المدينة الشغوفين بالفن.
أما الفنان المغربي عبد الكريم الوزاني، فقد عاد بعد سنوات عن آخر مشاركة له، ليترك بصمة ريشته على أسوار أصيلة بلوحة مستلهمة من أسلوبه الخاص في الرسم وأيضا من تقنياته في تطويع الحديد والنحت، والاعتماد على الأشكال الرفيعة.
يستذكر، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، صورا من مشاركته الأولى في ورشة الجداريات سنة 1986 ومن بعدها في ورشة الحفر، قبل أن يجدد هذه السنة الوصال مع المدينة التي تفتح له بحب أسوارها لتقديم الإبداع للناس، معتبرا أن “مؤسسي الموسم راهنوا بذكاء على الفن للتنمية واستقطاب السياح، وهي فكرة فريدة ليس لها نظير في باقي المدن”.
وقال إن “الجدارية ليست هي نقل رسم من الورق للجدار، بل على اللوحة أن تنبع من الجدار، أن تكون منسجمة مع محيطها”، مبرزا أن العمل الذي قدمه هذه السنة هو كصفحة ضمن كتاب يضم باقي الجداريات يقدمه الفنانون كهدية لسكان المدينة وزوارها وأطفالها.
والأمر لا يختلف عند رفيقه الفنان المغربي بوعبيد بوزيد، الذي يرى أن الاشتغال عن الجدارية مختلف عن الاشتغال على اللوحة في المرسم، لأن الجدارية عمل متجدد ويتطور بتفاعل الرسام ونقاشه مع الزوار والأطفال والسياح، معتبرا أن “الجداريات هي مساهمة فنية لتجميل مدينة أصيلة، التي تتميز بتراث معماري بروح معاصرة”.
واختار بوعبيد، الذي يشارك في موسم أصيلة الثقافي الدولي لرابع مرة، أن ينقل الثورة الرقمية إلى عالم الفن من خلال إبداع جدارية مستوحاة من تصميم شريحة الكترونية على خلفية زرقاء منمقة بأرقام ومتواليات حسابية.
الخروج من المرسم إلى الشارع هو بمثابة “فقدان لحميمية الإبداع” بالنسبة للفنان محمد المرابطي الذي يبدع جدارية بألوان متباينة خلال هذه الدورة من موسم أصيلة الثقافي الدولي.
ويبرر المرابطي هذا الموقف بقوله “هناك فرق كبير، أثناء رسم اللوحة في المرسم يمكنك تصحيح الأخطاء، هناك حميمية وخصوصية، لكن رسم الجدارية يكون أمام الملأ، تخرج من تلك الحميمية إلى الفضاء العام، والفنان المتمكن لن يكون محرجا في ذلك”.
وفيا لنهجه خلال الدورات السابقة، لم يخف الفنان السوري خالد الساعي أن جدارية هذه السنة وإن كانت ألوانها المهيمنة صارخة ومختلفة عن السنوات الماضية، فهي من حيث الفكرة تتماهى وحرصه على إبداع جداريات مستوحاة من تراث وثقافة المغرب المتعددة والغنية.
في هذا السياق، أشار إلى أن جدارية هذه السنة، بلونها البرتقالي الطاغي في الخلفية، مستوحاة من المجال الصحراوي ومن خصوصيات مدينة مراكش، مع زخرفتها بالحروف العربية، المرتبة لتبدو كأسراب متوالية لفرسان التبوريدة الحاملين لبنادقهم، منوها بأن “الفن الأصيل هو النابع من خصوصية المجتمع”.
هي هذه جداريات أصيلة، الروح المتجددة التي تزين أسوار حاضرة الأطلسي بلمسات فنية ترافق الزوار والسكان على مدار العام، قبل أن تجدد لونها وشكلها مع الدورة الصيفية لكل موسم ثقافي.
