دبريس
لا هامش تردد ولا بادرة شك تتسلل إلى نفسه بعد سنين طويلة مرابطا في معبده القصصي المطوق بالأسرار. “لن أكتب الرواية!”، يجيب أنيس الرافعي جازما لأنه يفضل أن يكون “قرشا في بحره الحميم على أن يكون سمكة سردين في بحر لا يخبر أغواره”.
يقول الرافعي، على هامش استضافته في رواق وزارة الثقافة ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، إن الانتماء إلى القصة ضرب من عقيدة، فقد ظل من الأوفياء لهذا الفن السردي على مدى ثلاثة عقود دون أن يراود أي فن آخر. يتعلل بأن وقت تعلم الرواية قد فات، لكن تجربة القاص المغربي تجسيد لنسبية الاستمرار والتحول، ذلك أن لزومه ساحة القصة القصيرة لا يعني ثباتا في شكل الكتابة ولغتها.
تاريخه مع الكتابة شريط منعطفات أسلوبية متعاقبة تحت خيمة القصة. ثبات في الانتماء إلى الجنس السردي يصاحب هوسا مزمنا بالتجدد وصناعة الطفرات النوعية في الإبداع القصصي. فتى القصة، الذي سطع في زخم جيل التسعينات، أصدر حوالي 20 مجموعة، بمنعطفات متمايزة، ومغامرات على تخوم قصية، تعود القارئ على مشقة ارتيادها ومتعة السفر إليها في نفس الآن.
القصة القصيرة فن مغمور لا يحظى بالتقدير الواسع والمواكبة الحاضنة المشجعة، ولا يؤمن شهرة للكتاب وصدارة في محافل صناعة الأدب على خلاف البريستيج المتصل بالرواية، لكن فئة قليلة مازالت تتمسك بالإقامة في هذه القارة التي يبدأ منها معظمهم فتيانا ولا يعود إليها إلا القليل. يستدرك أنيس الرافعي متحدثا لوكالة المغرب العربي للأنباء: “حسنا فعلت الأقدار أن تركت مساحة من الظل لهذا الجنس (القصة) كي يتطور وينمي أدواته ويحمي أسراره”.
بحكمة عابر صحراء، يستعيد أنيس زخم البدايات وازدحام الأحلام. انتمى إلى جيل البيانات الثقافية المبشرة بالتيارات الجديدة، وانخرط في جماعات أدبية انتهت كلها “بالاقتتال”. “تقاتلنا كرجال عصابات، وخلفت تلك المرحلة جروحا وندوبا في أرواحنا، وتحولت الصداقات إلى ضغائن”. من وصاياه للشباب: لا تجازفوا بإنجاز أنطولوجيات أو مختارات شعرية أو قصصية، لأنها قد تعرضكم لحروب مجانية”.
بعد ثلاثين عاما في ساحة النشر، يتحلل أنيس من جموح المرحلة وتمرد الشباب. “اجتزنا مرحلة صاخبة لم نكن نحب فيها شيوخ القصة في المغرب، ثم اكتشفنا أننا كنا على خطأ”. بدأ أنيس لاحقا يشق طريقا مغايرا، بحثا عن الصوت الخاص. فالمغايرة ظلت هما وهاجسا يلازمه بتوالي اقتراحاته الأسلوبية والجمالية. “كنت أتجنب أي مماثلة مع تجارب أخرى في سوق الأدب، ولم أرد أن أكون تحت قبة ضريح أي شيخ أدبي، ولا ذيلا لتمساح”. هو ليس مريدا في بلاط زعيم سردي، وتلك وصية أخرى منه للكاتب الفتي: “لا تكن في خدمة أي قاص كبير، لأنه سيلتهمك”.
في مرحلة ما، انخرط محافظ “متحف العاهات” ومدير “مصحة الدمى” ومؤسس “الشركة المغربية لنقل الأموات” في تجريب جسور يقطع أوصال النصوص، باحثا عن لغةٍ أخرى وعوالم مختلفة، مستلهما تجارب عالمية لأعلام مثل كالفينيو وبورخيس وكورتاثار. واهتدى في سبيل تمرسه الى أهمية الانفتاح على فنون أخرى بحثا عن سردٍ بديل. يفشي سر إحساس كاسح بأن القصة القصيرة تواجه أزمة نمو، وتعيش حالة إشباع جمالي، في وقت عانت فيه من تراجع الاهتمام وضمور في إغراء القراء والمهتمين. لم يهدم البيت، لكنه فتح نوافذ مشرعة على الفوتوغرافيا والتشكيل والسينما، وصارت نصوصه سليلة كتابة أسلوبية تشغل ورشة سردية خاصة. في مجموعة “البرشمان” حاكى الرافعي فنا حرفيا مغربيا تقليديا، وفي مجموعة “اعتقال الغابة في زجاجة” فضح ذوقه السينمائي وولعه بعوالم أفلام الستينيات من تجارب إيطالية وفرنسية وأمريكية، كما انفتح على عوالم الصوت، مستحضرا تجربة الشاعر الفرنسي تاركوس.
وفي مرحلةٍ أخرى، جاء الانفتاح على السرديات السحرية الخفية، وبدأ اهتمام أنيس بالعوالم الكناوية، وبرموز الحناء والرمل ومختلف العلامات التقليدية الموروثة. خلال هذه المرحلة، قدم مجموعات مثل “أريج البستان في تصاريف العميان” و”الشركة المغربية لنقل الأموات”، و”صانع الاختفاءات”، قبل أن ينتقل إلى ما يسميه “فن التجهيز القصصي” ومغامرة السرد الشاماني، كما تجسدت في مجموعة “جميعهم يتكلمون من فمي”.
“أغواني البحث في المغرب الإثنوغرافي، ومعاشرة اللامرئي، انطلاقًا من قناعتي بأن الذات تجد عزاءها في الأرواح اللامرئية التي تعتني بها”، يضيف ابن الدار البيضاء الذي جرب الاشتغال على الأشكال الموسيقية المغربية التراثية، مقتبسا تقنيات موسيقية ومحاكيا إياها بأدوات السرد.
ولئن مازالت القصة القصيرة تنافح من أجل حظ أوفر من الضوء، فإن جهد الرافعي ودأب التجاوز وعزيمة التجدد قد حفروا له صرحا شاهقا في خريطة السرد العربي، جسده التتويج بجائزة الملتقى الثقافي للقصة القصيرة العربية بالكويت، في دورتها الخامسة (2023)، عن مجموعته القصصية “سيرك الحيوانات المتوهمة”، وجائزتي ناجي نعمان وغوتنبرغ الدولية للكتاب (2013). الاعتراف يعزز الشعور بالفخر والعزم على المواصلة، لكن أنيس يبدو مصمما في المدى القصير على اقتطاع راحة بيولوجية للتأمل وتجديد الطاقة. 50 عاما من الحياة تستحق التفكير في الأمر!
حين يسأل عن جذور هذا الخيال السردي الكاسر في طفولة وعيه بالعالم وفجر تفتح الحواس، ينطق أنيس باسم الجدة حليمة، نساجة السجاد، سليلة منطقة “المداكرة”، التي كانت تتردد على الأضرحة؛ تلك المرأة “المبروكة” التي كانت منغمسةً في عالم لا مرئي طافح بحكايات ما لا يرى والقوى الخارجة عن الإدراك المادي. يقول ذلك، فلا تبدو قصة جدته مختلفة عن عالم مشروعه القصصي المثير.
